حسن الأمين
268
مستدركات أعيان الشيعة
ومن عجب الأيام تنكر صحبتي وتلحظني شزرا بطرف مريع كاني وإياها صحائف نظمت مديح أبي بكر يقلبه شيعي فأجابه أبو حمد النصار قائلا : عجبت لدهر كيف أكمه رشده ولم يرع بالعتبى مقاما لصاحب كاني وإياها صحائف نظمت مدائح أهل البيت في كف ناصبي وهناك من يذكر ان ناصيفا كانت تحضره بعض أبيات في مناسبات معينة . لم يشر المؤرخون وخاصة العامليون منهم إلى تاريخ توليه الحكم على بلاد بشارة . لكن يبدو انه كان خلال سنة 1163 / 1749 ولم يكن بعد هذه السنة لأن المؤرخ العاملي الركيني الذي عاصره وبدأ تدوين تاريخ « جبل عامل في قرن » في هذه السنة لم يشر إلى توليه الحكم قبل هذه السنة أو في أوائلها . وكذلك فان المخطوطات العاملية التي تحدثت عن معارك مرجعيون - القليعة التي جرت في هذه السنة بين العامليين والأمير ملحم الشهابي لم تشر إلى اشتراك ناصيف فيها انما أشارت إلى اشتراك أخويه ظاهر النصار كحاكم ومراد النصار كقائد . ومن المرجح أن توليه الحكم كان خلال سنة 1163 هأو في أواسطها بعد المعارك السالفة الذكر لأن المؤرخ السبيتي العاملي أشار اليه كحاكم عندما تحدث عن تحصين القلاع العاملية وعن اقتسام مقاطعات بلاد بشارة بين مشايخ آل الصغير فقال : وكانت لناصيف تبنين « . ( 1 ) لكن الشيخ عبد المحسن الظاهر يزعم أن توليه كان سنة 1145 / 1731 بعد وفاة والده فاتفقت آراء أعيان آل الصغير على « الشيخ ناصيف لأنه أكبر أولاده وعليه سمة الشجاعة والإباء ( وطلبوا من والي صيدا أسعد باشا العظم في تلك الأثناء ) فأجاب الباشا طلبهم وأسند حكم البلاد إلى ناصيف بموجب صك يتعهد فيه بدفع الأموال الأميرية المرتبة على البلاد » . ( 2 ) استشهد ناصيف النصار يوم الاثنين 5 شوال 1195 / 1780 قرب بلدة يارون في المعركة التي سميت باسم البلدة نفسها بين العامليين ووالي عكا أحمد باشا الجزار ولنا إلى ذلك عودة . ناصيف النصار : زعامة الأسرة أو الطريق إلى وحدة الجبل كان على الشيخ ناصيف النصار ان يواجه أهله الأقربين لينطلق من أرض صلبة في محاولته لتوحيد العامليين إزاء المخاطر التي تتهددهم . وكان أكثر ما يقلقه بادئ ذي بدء الصراع الذي برز بين الشيخ قبلان والشيخ عباس . فقد أعطيت صور أول الأمر للشيخ قبلان فرفض قبولها بحجة انها بلدة خربة لا يوجد فيها إلا مصنع للملح ( ملاحة ) فأعطيت للشيخ عباس . استلم عباس صور وبني فيها دارا للحكومة لم تزل عامرة إلى اليوم وموقعها على باب المدينة وشاد فيها [ مسجد ] مسجدا وكنيسة وسوقا ودورا كثيرة . واسكن فيها عائلات كثيرة من المسلمين والمسيحيين من سكان جبل عامل وجبل لبنان . وكان يصرف فيها فصل الشتاء ويصيف في قلعة مارون الواقعة في ناحية شحور بالقرب من دير دغيا . ولم يمض أربع سنين حتى غدت صور بلدة تجارية وكثر فيها الأخذ والعطاء وأمت إليها السفن الشراعية لإفراغ شحنها وابتياع حاصلات البلاد من حبوب وتبغ وقطن وزيوت . ( 3 ) ولما رأى قبلان تقدم العمران في صور ندم على تسليمها لابن عمه الشيخ عباس ففاوضه بإعطائها له فلم يجب طلبه ووقع الخصام بينهما فحدثته نفسه بالاستيلاء عليها قسرا . اغتنم الشيخ قبلان فرصة غياب الشيخ عباس وولده حسين عن صور في زيارة للشيخ علي الظاهر في الجش ( فلسطين ) فهاجم صور ونهب دورها ومتاجرها حتى حلي النساء وأسر الشيخ حمزة شقيق الشيخ عباس وسار به إلى هونين . وصل الخبر إلى الشيخ عباس فأسرع بخيله ليقطع على المهاجمين الطريق والتقاهم في وادي الحجير وتمكن من الحاق هزيمة قاسية بالشيخ قبلان واقتاده أسيرا إلى قلعة مارون حيث أبقاه عدة أشهر إلى أن تدخل الشيخ ناصيف . أدمت هذه الأحداث قلب الشيخ ناصيف وهذا واضح في موقفه من اخوة الشيخ قبلان الذين جاؤوا يطلبون شفاعته لإنقاذ أخيهم فرد طلبهم بادئ الأمر وقال لهم : لقد هتكتم ستر العشيرة باعتدائكم الشائن « ( 4 ) ولكنه أجاب طلبهم وركب في شرذمة من رجاله وسار قاصدا قلعة مارون فلقيه الشيخ عباس بالحفاوة والترحيب . « وصل ناصيف توا إلى باب القلعة فهب الشيخ عباس لاستقباله ولكن ناصيف وقبل أن ينزل عن جواده قال لعباس : هل جازت يا ابن العم ؟ فأجاب عباس : نعم جازت على ما تختار وتريد عدا عمنا الشيخ قبلان . فقال ناصيف : إياه أردت ولسنا بحاجة إلى طعامك وشرابك ولوى عنان جواده يريد الرجوع وتبعته الخيل . فلحقه عباس وقبض على عنان الجواد وقال نعم نعم جازت على القلعة ومن فيها حتى قبلان . وعقد الشيخ ناصيف راية الصلح بيده ولفظ عليها العبارة المأثورة التي يقولها عاقد الراية وهي : « يا أهل المعونة من مكة والمدينة ليعلم الحاضر والغائب والغادي والبادي ان الراية عقدت بين فلان وفلان بكفالة الزعيم فلان » . وكان الشيخ ناصيف يعرف ان إعادة الأموال المسلوبة غير ممكن وكان من العدل بحيث يعرف ان تركها أمر غير مستحب فقدر الخسائر تقديرا ممكن التنفيذ وكفل ذلك المبلغ بنفسه وانطلق إلى مركزة في قلعة تبنين . وعند ما وصل إلى كفر دونين فكر بما حدث وكان يخشى من نكث الشيخ قبلان لالتزاماته ، لذلك أمر ولده عقيلا بالرجوع إلى قلعة مارون وقال له قل لعمك عباس ان والدي أمرني أن أبقى رهينة عندك في القلعة حتى يفي قبلان بما عليه . رجع عقيل إلى قلعة مارون وأبلغ عمه عباس رسالة والده فأجابه عباس قائلا : أو حسبني أبوك خالي المروءة حتى بعثك وأنت فلذة كبده رهينة عندي من أجل دريهمات . وأمر كاتبه بإحضار السندات الأربع فمزقها وألقاها في النار وقال لعقيل بعد أن أهداه جوادا عربيا مسروجا بسرج محلى بالذهب والفضة : عد لأبيك وأخبره بما رأيت وقد سامحت قبلان بهذا المال إكراما له وساعوض على أصحابها من مالي الخاص .
--> ( 1 ) العرفان . ( 2 ) المخطوط المتقدم ذكره . ( 3 ) محمد جابر . ( 4 ) ن . م .