حسن الأمين

269

مستدركات أعيان الشيعة

وعاد عقيل ومعه خادماه ووراءهما الحصان يقوده سائسه فلحق بابيه عند « عين المزراب » قرب تبنين فأخبره بما توقع فترنح سرورا وطربا وأنشد متحمسا قول أبي فراس : انا إذا اشتد الزمان وناب خطب وأدلهم ألفيت حول بيوتنا عدد الشجاعة والكرم للقا العدي بيض السيوف وللندى حمر النعم هذا وهذا دأبنا يودى دم ويراق دم ( 1 ) كانت هذه الحادثة منطلقا لتسليم أفراد الأسرة تسليما شبه مطلق بزعامة الشيخ ناصيف الذي ما لبث ان التزم ميناء صور من والي صيدا وأصبح هذا الميناء خاصا بالعامليين ومهما بالنسبة لتجارة الشيخ ناصيف الذي كان « يتعاطى التجارة والحرب في وقت واحد والذي كان مخيفا كتاجر كما كان مخيفا كجندي . . . . ( 2 ) وما أن أحكم الشيخ ناصيف سيطرته على أسرته وعشيرته حتى ضعفت في وجهه مقاومة سائر الأسر العاملية . ويبدو انه تمكن من إرضاء آل صعب بالمصاهرة واخضع آل منكر . والثابت انه بعد 1180 / 1766 لم يظهر أي صراع عائلي في الجبل وبعد سنة 1765 أي صدام عشائري بدليل أن العامليين ظهروا متفقين في اتصالاتهم الودية مع الدروز 1179 / 1765 . فقد ذكر الركيني انه في شهر رجب المبارك صارت الجمعية بين الشيخ ناصيف والشيخ عباس وعلي فارس والأمير إسماعيل والشيخ علي جنبلاط في حاصبيا . ( 3 ) ويضيف الشيخ عبد المحسن الظاهر في حديثه عن هذا الاجتماع قائلا : ان الشيخ علي جنبلاط لما لم ير أحدا من أصدقائه من آل منكر طلب إلى ناصيف أن يرسل إلى ممثلهم الشيخ حسن المنكري ان يكون في الاجتماع . فحضر وقرروا قواعد الاتفاق والمعاهدة على عدم الاعتداء والغدر ببعضهم ( أي العامليين والدروز ) . ( 4 ) بعد إنجاز وحدة العامليين كان على ناصيف ان يحمي ما حققه من انجازات وأن يواجه أطماع جيرانه بجبل عامل سواء من الشمال أو من الجنوب وهكذا تبدأ حكايته مع ظاهر العمر . ناصيف النصار وظاهر العمر ما ان استتب الأمر للشيخ ناصيف النصار في حكم جبل عامل حتى بدأت التهديدات الخارجية للعامليين تطل برأسها من جديد . ولكنها كانت هذه المرة من فلسطين ومن ظاهر العمر على وجه التحديد . فقد ظن هذا الأخير ان حروب العامليين مع الأمراء الشهابيين قد أرهقتهم فلا بأس ان يجرب حظه معهم . ولم يكن ظاهر العمر هذا شخصية عادية في عصره بل كان على ما يبدو رجلا عصاميا وبطلا من إبطال الشرق عظيم الهمة ، شديد البأس واسع الحيلة حكيم التدبير علوي النسب . ( 5 ) [ يفول ] يقول عنه الرحالة الفرنسي فولني انه مضى زمن طويل على سوريا لم تر رجلا مثله وكانت أطماعه فوق قدرته . وكانت العدالة ضاربة أطنابها في بلاده لا فارق عنده في شمولها أهل المذاهب المختلفة . ولد ظاهر العمر سنة 1686 وقتل سنة 1776 أي قبل أربع سنوات من استشهاد الشيخ ناصيف وقد تولى حكومة صفد وطبريا وما يليها بعد أبيه الشيخ عمر بن أبي زيدان . وكانت عكا من ملحقات صفد وكانت أشبه ما تكون بقرية حقيرة غير عامرة . ولما استولى عليها ظاهر العمر 1163 / 1749 بنى أبراجها وشيد حصونها المنيعة وملأها بالمدافع والذخائر وعززها بالسلاح وأحاطها بسور متين . ولم يترك لها إلا بابين . وازدحم الناس فيها من أنحاء سوريا وقبرص مهاجرين إليها وفيهم المسلم والمسيحي وكان يرعاهم بعنايته ويهتم بشئونهم . ويتساهل بأمور عقائدهم مما لم يكن مألوفا في ذلك العصر : استمر نجمه بالصعود وأحكم سيطرته على أجزاء من فلسطين وسوريا بعد أن تمكن من اخضاع البدو سواء بالقوة أو بالمصاهرة . في سنة 1768 منحته الدولة العثمانية لقب شيخ عكا . وأمير الأمراء وحاكم الناصرة وطبريا وصفد وسائر الجليل وفي سنة 1188 / 1774 ورد الفرمان السلطاني بإحالة ولاية صيدا لعهدته . ( 6 ) وما ان شعر الشيخ ظاهر العمر بتزايد قوته حتى حول وجهه إلى جبل عامل يريد أن يبسط سلطته عليه . « غير أن جبل عامل في ذاك الوقت كان أمنع من عقاب الجو » . ( 7 ) تحرش ظاهر العمر بناصيف النصار عميد عشائر جبل عامل « وناهيك بناصيف النصار بطلا مغوارا وقائدا محنكا جمع إلى الشجاعة والنخوة سخاء الكف وحسن التدبير والغيرة القومية والمروءة المحضة » . اتخذ الشيخ ناصيف من قلعة تبنين مقرا لحكومته وكانت عامرة بابراجها الشامخة وحصونها المنيعة . وجدد بناء الحصون وشحنها بالمقاتلة والسلاح وبسط العدل فارتاح له العامليون وأخلصوا له الولاء . في العام 1766 تفجر الخلاف بين الشيخ ناصيف وابن عمه الشيخ قبلان الذي سبق للشيخ ناصيف أن أنقذه من الأسر فظن ظاهر العمر ان الفرصة مؤاتية له ليسفر عن اطماعه بالأرض العاملية . فكتب إلى العميد الوائلي يطلب اليه أن يتخلى عن قريتي البصة ومارون بدعوى انهما تابعتان لفلسطين . فرد الشيخ ناصيف رسول ظاهر العمر ردا عنيفا : « وأرسل له الجواب بالرفض وأغلظ له القول ومن جملة ذلك قال له : لا تظن إنا نظير سوانا ، فوالله انا عندنا مقابل سيفك سيوف أحد منه ، وبإزاء كيدك مكائد كثيرة . فالأولى بك ان تدعنا غافلين عنك باعتدائك على جيراننا . والآن والله العظيم انك تندم لأننا نحن طالما بغي علينا فانتصفنا من الباغي . وعاهدنا فقمنا بعهدنا . وكنا من أعظم أنصار أصحابك فدونك الآمرين . وأنت ورأيك ونحن نرى فيما يبدو منك والسلام » . ولما وصل هذا الجواب إلى الشيخ ظاهر العمر طار صوابه وأعلن النفير العام وطرد عمال الشيخ ناصيف من القريتين ونهض لاجتياح بلاد عاملة . لم يكن الشيخ ناصيف أقل استعدادا للقاء . فلاقت خيوله ظاهر العمر عند الحدود . ونشبت بين الفريقين عدة معارك أشهرها معركة دولاب - طربيخا 1181 / 1767 . وفي هذه المعركة أكره ظاهر العمر على التراجع فانقض عليه ناصيف

--> ( 1 ) ن . م . ( 2 ) لاكروا . ( 3 ) العرفان . ( 4 ) مخطوط الظاهر المتقدم ذكره . ( 5 ) محمد جابر . ( 6 ) ن . م . ( 7 ) ن . م .