حسن الأمين

267

مستدركات أعيان الشيعة

ويتعامل بعض المؤرخين مع هذه الحملة بكثير من الريبة ويرون أن العامليين « أخذوا غدرا واغتيلوا خارج القرية ثم نهبت وأحرقت وقتل جميع من فيها وبلغ عدد القتلى من الطرفين نحو ألف قتيل » . ( 1 ) على الرغم من سلسلة الهزائم هذه لم يلبث العامليون ان وحدوا صفوفهم ليحققوا أول انتصار لهم على الأمراء الشهابيين في سنة 1743 ! « ففي سنة 1743 كانت الوقعة بين المشايخ بني متوال وأهالي وادي التيم ومعهم دروز جبل الشوف وكانت الكسرة على الدروز وعسكر وادي التيم وقتل منهم مقدار ثلاثمائة رجل وأحرقت المتأولة جميع قرى مرجعيون ثم اجتمعت المتأولة في قرية النبطية وأرادوا ان يغزوا جبل الدروز فمنعهم وزير صيدا . ( 2 ) ويشير الشيخ سليمان ظاهر إلى هذه المعركة ويعلق عليها بقوله : « وفي هذه المعركة يقول بعض الزجليين : يا بنت مردم بك طلي وشوفي دخان مرجعيون غطى الشوفي ( 3 ) وهكذا مضى نصف قرن على الأقل في [ و ] صراع دائم بين العامليين الذين يصرون على استقلالهم الذاتي وبين الأمراء الشهابيين : بشير الأول ، حيدر ، ملحم ، الذين حاولوا اخضاع الجبل وسلبه خيراته بتواطؤ مكشوف مع ولاة الدولة العثمانية . ولم يخل هذا النزاع من خلفيات مذهبية وهذا واضح من خلال حضور قوي لرجال الدين العامليين الذين استشهد عدد منهم في ساحات المعارك دفاعا عن الكرامة والعقيدة والوجود . ومع أن العامليين لم يكونوا دائما موحدي الصفوف إلا أن ما ينبغي تسجيله هو عدم حصول صدام مباشر بين الأسر العاملية . كما أن أيا من الأسر العاملية لم يقاتل مع الشهابيين ضد أشقائه من أبناء الجبل . وكان على الوحدة الحقيقية لأبناء جبل عامل ان تترجم نفسها مع ظهور ناصيف النصار كشيخ مشايخ جبل عامل . الشيخ ناصيف النصار الإنسان ذكر الشيخ عبد المحسن الظاهر المعاصر - وهو من سلالة أسرة ناصيف - ذكر نسب ناصيف النصار في مخطوطة له بعنوان : « الدلالة العاملية بتاريخ الأسرة الوائلية » نقلا عما ذكر الحاج محمد سهيل ، وشبيب باشا [ الأسود ] الأسعد وحسين بك البندر عن حمد البيك وأقره عدد من شيوخ العائلة قال : ناصيف النصار هو ناصيف بن نصار الثالث بن نصار بن أحمد بن نصار بن مشرف بن أحمد بن نصار بن حسين بن علي الصغير ثم استرسل الشيخ الظاهر فأوصل النسب إلى معد بن عدنان مما لا يعلم حقيقته الا الله . وبعد إيراده النسب قال الشيخ عبد المحسن : هو أشهر من نار على علم : طائر الصيت عاطر الذكر رأيس ( رئيس ) عاملة على الإطلاق ، مدبر شؤونها وحامي صونتها ومفرج كربتها ومعيد حريتها ومحطم نير الاستعباد ومبيد الظلم والجور والاستبداد . جمع من المآثر الحميدة . مواقفه في الحروب مشهورة وأعلام ذكره بين الأنام منشورة حيث الرجال بالأفعال لا بالأقوال . السيد محسن الأمين يذكر في ترجمته في « أعيان الشيعة » : يقال له الشيخ ناصيف النصار جريا على العادة في إدخال الألف واللام على اسم الأب حين إرادة نسبة الابن اليه . ولفظ الشيخ أحد ألقاب الأمراء في بلاد الشام . فامراء جبل عامل والأمراء الحماديون وغيرهم كانوا يلقبون بالمشايخ والحرافشة والشهابيون كانوا يوصفون بالأمراء . وكانت امرة جبل عامل لثلاث طوائف : فامرة بلاد بشارة لآل علي الصغير وإمرة بلاد الشقيف للصعبية وامرة إقليم الشومر لآل منكر . وكان يطلق على ناصيف شيخ المشايخ أي أمير الأمراء . ويذكر السيد محسن في مخطوط اطلعنا عليه عند نجله السيد حسن الأمين : « زرنا قبره سنة 1349 وقرأنا له الفاتحة فوجدناه قبرا بسيطا قد بني حوله أساس فقط . والعجب من أقاربه الذين ملكوا البلاد بعده كيف لم يبنوا قبره ويشيدوه مع أنه أهل لذلك بما كان فيه من جميل الصفات من الشجاعة والكرم وحفظ الجوار وجودة الرأي ومحاسن الأخلاق وتعظيم العلماء وأهل الدين . وقد قتل شهيدا في الدفاع عن استقلال بلاده ورد الظالمين الفراعنة عنها رحمه الله رحمة واسعة » . بعض المصادر التاريخية التي اهتمت بجبل عامل تذهب إلى القول إن الشيخ ناصيف ولد في قرية مجدل سلم القريبة من تبنين حيث توفي والده وحيث كانت إقامة الأسرة فيما بعد طلوعها من قرية شحور . وعبثا نفتش في المصادر التي بين أيدينا عن ذكر للسنة التي ولد فيها ناصيف النصار . غير أن مصادر الشيخ عبد المحسن الظاهر ذكرت عنه قوله : سمعت من بعض شيوخنا عن سلفهم انه لما قتل ناصيف النصار سنة 1195 / 1780 كان عمره خمسا وستين سنة « فتكون سنة ميلاده 1130 / 1715 وكما كان مولده غامضا كذلك كانت نشأته أكثر غموضا إلا أنه تجدر الإشارة إلى نشأته في بيئة اجتماعية تسودها علاقات اقطاعية تميز فيها الأعيان عن الفلاحين ببعض المميزات الخاصة كتعليم الفروسية وبث روح الشجاعة في أولادهم لأنها كانت من مؤهلات الرئاسة في القوم في ذلك العصر . ( 4 ) وكان لكل ولد من أولاد الأعيان خادم أو عبد خاص ( 5 ) ومن تقاليدهم أيضا التزاوج من نساء الأسرة . وقد تخلف ناصيف النصار بستة أولاد هم : نصار وفارس ومحمد وعقيل وشبيب وخليل : المصادر التي بين أيدينا لا تعطينا فكرة واضحة عن حقيقة ثقافة الرجل . ولكننا نستطيع أن نستخلص فكرة عنها من الإشارات العرضية التي ذكرها بعض المؤرخين . فقد سبق وأشرنا إلى ما ذكره السيد محسن الأمين من تقديم الشيخ ناصيف النصار للعلماء وتميزه بجودة الرأي . والفضل لا يعرفه إلا ذووه على حد ما قالت العرب . المؤرخون العامليون يرسمون له صورة أقرب إلى الكمال فإذا هو القائد المطاع والجندي الباسل الفاتح والمصلح المفكر والأمير الحكيم العليم ( 6 ) هذا وقد عرف عن ناصيف النصار تقديره للشعر وإكرامه للشعراء فقد كان لكل منهم اعطية لديه . وقد عرف عن أخيه أبي حمد النصار انه كان ينظم الشعر أحيانا وله مساجلات مع علي الظاهر بن ظاهر العمر من أكثرها طرافة : يقول علي الظاهر :

--> ( 1 ) الزين . ( 2 ) لبنان في عهد الأمراء . - ( 3 ) الشيخ سليمان ظاهر . ( 4 ) جورج ليني . ( 5 ) محمد جابر . ( 6 ) الفقيه .