حسن الأمين

266

مستدركات أعيان الشيعة

وأقر آل صعب وآل منكر على مقاطعاتهم وأعاد ال الصغير إلى ولاية بلاد بشارة ولاة من قبله . ( 1 ) وما ان عاد آل الصغير إلى حكم مقاطعاتهم من قبل والي صيدا حتى بدأ حنينهم إلى « الاستقلال » يعود من جديد . فعملوا بإخلاص على توحيد صفوف العامليين فانضم إليهم آل منكر وآل صعب « لما بينهم من الاتحاد بالتشيع والتعصب لليمنية » . ( 2 ) ولكن الأمير حيدر ما لبث ان تمكن من « شراء » ولاية جبل عامل من والي صيدا . وهكذا أعلن والي صيدا حيدرا الشهابي حاكما على جبل عامل . رفض العامليون هذا الأمر فنهض إليهم الأمير حيدر من دير القمر سنة 1707 وبلغ بلدة النبطية التي اجتمع فيها العامليون استعدادا لقتاله وجرت المعركة بين الفريقين خارج البلدة وتمكن الأمير حيدر من الانتصار على العامليين وارتكب بحقهم أبشع المجازر . وأجلى آل الصغير ثانية عن حكم بلاد بشارة وتولاها محمود أبو هرموش من قبل الأمير حيدر لجباية المال المرتب عليها . ولئن جعل المؤرخون الشهابيون أسباب هذه الحملة مجرد « مخرقة » العامليين في أطراف بلاد الشوف فان الشيخ علي الزين ذهب بعيدا وجعل : « غزو الأمير حيدر للنبطية جريا على خطة رسمت للشهابيين في الخفاء يستشفها الباحث من تاريخ سلفه الأمير بشير الأول سنة 1110 / 1698 وتاريخ خلفه الأمير ملحم 1144 / 1732 ثم خلفه الأمير يوسف 1185 / 1770 يوم جعل كل منهم باكورة اعماله في حكم الشوف غزو بلاد المتأولة ونهبها » . ( 3 ) ومن يعد إلى المصادر التاريخية يلاحظ أن آل الصغير كانوا لا يطمئنون إطلاقا للأمراء الشهابيين ، وأثبتت الوقائع التاريخية انهم كانوا على حق في ذلك - ولم يكن هم الولاة العثمانيين سوى جمع الأموال . اما رفض العامليين لسيطرة الأمير الشهابي فكان منسجما مع رغبتهم في الحفاظ على حريتهم وعاداتهم وعقيدتهم لذلك كان اتحادهم لمواجهة حكام الجور وتسلطهم وليس « بدافع التشيع والتعصب لليمنية » فحسب كما علله المؤرخ الشهابي مختزلا دوافع الكرامة الوطنية : وبدأت بعد معركة النبطية حكاية أخرى مع محمود أبو هرموش الذي جعل جل همه جمع المال من العامليين لإغناء ثروته . ولكنه ما لبث ان تمرد على الأمير حيدر نفسه وفر بالأموال إلى والي صيدا الذي حصل له على لقب باشا من الباب العالي وولاه ولاية جبل لبنان مكان الأمير حيدر الذي ترك إلى غزير ليعود من جديد إلى دير القمر ويقضي على الحزب اليمني قضاء نهائيا بعد معركة عين دارة 1711 والتي هزم فيها أبو هرموش وولاة الشام وصيدا مجتمعين . وهكذا بعد خروج أبي هرموش من جبل عامل وبعد معركة عين دارة حضر عثمان باشا أبو طوق وأراد أن يسترضي العامليين فأعاد آل الصغير إلى حكم الجبل مع ذلك لم يسلم الجبل من محاولة « شهابي » آخر التحكم به . وبالفعل فان أمير حاصبيا هذه المرة الأمير قاسم الشهابي سنة 1712 حاول السيطرة على الجبل ولكنه لم يوفق إذ استطاع المشايخ المحليون ان يعودوا إلى حكم مقاطعاتهم وأن يبنوا السرايات في مراكز حكوماتهم . أثار ازدهار العامليين حفيظة الأمير حيدر وهاله ما أصبحوا فيه من قوة واستقرار فزحف في سنة 1719 باثني عشر ألف رجل إلى بلاد المتأولة والقبلية وبلاد الشقيف وإقليم الشومر ونهب البلاد وقتل نحو أربعين رجلا وأخذ منهم ألف وحرق البلاد وقطع الأشجار وهدم سرايات الحكومة هدما مريعا ورجع إلى موضعه . ( 4 ) وبعودة الأمير حيدر إلى موضعه عاد العامليون إلى حكم بلادهم وعمرانها بعيدا عن تهديد الشهابيين لأن صراعا كان قد دب في الشوف بين أبناء العمومة والإخوة من الأمراء واستمر حتى تنازل الأمير حيدر إلى الأمير ملحم سنة 1719 . وكأنه لم يكف جبل عامل ما لقيه على أيدي الشهابيين إذ ما لبث ان ظهر طامع جديد بحكم الجبل ولكن هذه المرة من الجنوب أعني بذلك ظاهر العمر حاكم بلاد صفد والذي كان « وادا للأمير حيدر لكونه سنيا قيسيا » . ( 5 ) استغل ظاهر العمر الظروف السيئة للعامليين بعد هزيمتهم امام الأمير حيدر فسار ومعه أمراء صفد 1722 لقتالهم ولكنهم الحقوا به هزيمة مرة ( 6 ) جعلته يحجم عن مقارعتهم ثانية بل لعلها دفعته إلى السعي لاتخاذهم حلفاء له - كما سنرى فيما بعد - على مناهضيه داخل بلاده . أما الأمير ملحم فإنه عندما استتب له الأمر لم يخرج على سنة سابقيه : أمير شهابي جديد يزيد في مال التزام جبل عامل من والي صيدا فيوليه عليه ، فرفض عاملي . . . فحملة تاديبية شهابية تنتهي كسابقاتها بقتل ودمار . ففي سنة 1732 التزم الأمير ملحم جبل عامل من أسعد باشا العظم والي صيدا في ذلك الحين وكان ذلك ردا على ما أسماه شماتة آل الصغير بموت والده « وقيل إنهم من سرورهم خضبوا ذيول خيولهم بالحناء » . ( 7 ) ورفض العامليون ولاية الأمير ملحم عليهم فقام هذا من دير القمر لقتالهم فمال لجانبه سلمان الصعبي والي مقاطعة الشقيف . . فأطلق له الأمان وبقي سايرا ودهم بني علي الصغير للقتال فالتقى بهم في أرض قرية يارون ( 8 ) . . . فحصل النصر والظفر للأمير ملحم وكسرهم وأهلك منهم خلقا وقبض على مقدمهم نصار ( 9 ) وفر إخوته إلى جويا فسار خلفهم ففروا إلى القنيطرة فظفر بجماعة من غلمانهم فأهلكهم . ثم أطلق الغارة على تلك الديار فنهب ما فيها وقفل راجعا إلى ديار لبنان ( 10 ) ومعه نصار الصغيري وولى على ديار بشارة حليفه سليمان الصعبي المذكور وبعد أيام عاد اخوة نصار وافتدوا أخاهم بمال وافر فأطلق الأمير ملحم سراحه وأعادهم إلى ديارهم ولاة من قبله . وينعم جبل عامل بشيء من الاستقلال الذاتي . لكن عندما شعر الأمير ما حم بتزايد قوة العامليين قام بعملية كبيرة ذهب ضحيتها العشرات من العامليين سنة 1156 / 1742 عرفت في التاريخ باسم وقعة أنصار والتي يفهم من سكوت المؤرخين عنها والتناقض الذي وقعوا فيه حولها انها ربما كانت لأسباب محض مذهبية . ( 11 ) يقول المؤرخ العاملي السبيتي : « 1147 ( 1733 ) صارت وقعة أنصار مع الأمير ملحم وأسر من الشيعة ألف وأربعمائة ومات في الكنيف في بيروت ومكث الأسرى وكانت الوقعة بفتوى الشيخ نوح .

--> ( 1 ) لبنان في عهد الأمراء . ( 2 ) ن . م . ( 3 ) الزين . ( 4 ) لبنان في عهد الأمراء . ( 5 ) ن . م . ( 6 ) ن . م . ( 7 ) ن . م . ( 8 ) لبنان في عهد الأمراء . ( 9 ) هو والد ناصيف النصار . ( 10 ) لبنان في عهد الأمراء . ( 11 ) العرفان .