حسن الأمين

246

مستدركات أعيان الشيعة

كان محركها الرئيسي ، أحمد الصلح ، مقيما في هذه المدينة . وكان أحمد قد اعتمد في سره الحل الذي أيقن انه السبيل الأصلح لبلوغ الغاية المرجوة . وكان يدرك خطورة ما قرر الاقدام عليه ، لذلك راح يكاشف فيه بعض أصدقائه ويجمع من يثق به من خلصائه ، ويعد معهم الخطط السرية التي تئول إلى إنجاح هذا الحل . وبعد أن قضي ما يقارب الثلاثة أشهر في تهيئة وسائل النجاح ، سافر إلى صيدا يرافقه بعض العاملين المؤيدين ووالدي منح ، وحلوا ضيوفا في بيت الحاج إبراهيم آغا الجوهري . ثم سافر الوالد إلى جبل عامل ، حيث كان له ولوالده أحمد روابط وصداقات وثيقة ، إلى جانب ما كان لهما من ممتلكات ومزارع ، فاجتمع إلى بعض زعماء الجبل ، وعاد إلى صيدا بصحبة عدد منهم . وفي صيدا مكث الجميع قرابة شهرين في الاجتماع والتداول ، ثم جاء جدي أحمد والسيد محمد الأمين والشيخ علي الحر ووالدي إلى بيروت ، ومنها تابعوا طريقهم بعد استراحة قليلة فيها إلى دمشق ، وتخلف في بيروت الشيخ الحر ضيفا على الحاج حسين بيهم . ونزل الوافدون إلى دمشق في دار مفتي المدينة ونقيب أشرافها السيد حسن تقي الدين الحصني ، وشرعوا بالاتصال ببعض أصحاب الرأي والمكانة من رجال دمشق ، وعرضوا عليهم الفكرة التي جاؤوا من أجلها ، فلاقوا منهم التحبيذ والتأييد ، ثم قصدوا بعد ذلك إلى دمر ، مصيف الأمير عبد القادر ، وقضوا في ضيافته ثلاثة أيام تباحثوا خلالها معه في الأوضاع المرتبكة في البلاد وعواقب هذا الارتباك ووسائل انقاذها منه . وكان القصد من هذه الرحلة الشامية ، تبادل الرأي مع الأمير عبد القادر وعدد من الزعماء والتزود بآرائهم في الاجتماعات التي ستجري في بيروت . وبعد ما أتم هؤلاء مهمتهم في دمشق عادوا إلى بيروت . وتابع جدي منها الاتصال بمعظم زعماء البلاد الشامية ، فكان يبعث بالرسائل والرسل إلى من يصح الركون اليه من رجالاتها ، ويدعوهم للحضور إلى بيروت للتشاور . وسافر والدي [ ] ويصحبه الأستاذ أحمد عباس الأزهري ، إلى الشمال السوري ، فزارا حلب وحمص وحماه واللاذقية ، واجتمعا فيها ببعض زعمائها ، واتصلا في اللاذقية برؤساء العشائر العلوية ، ثم عادا إلى دمشق وسافرا منها إلى حوران وجبل الدروز للغرض ذاته . وقد لبى دعوة الجد بالقدوم إلى بيروت أكثر هؤلاء الزعماء . ( 1 ) وفي الموعد الذي تقرر لاجتماع بيروت حضر جدي إليها ، وراح مع والدي وسائر الوافدين يعقدون الاجتماعات ، وكانت كلها سرية ، ويضعون الخطط اللازمة ، ومنها ما قد تستوجبه طوارئ عسكرية ، ويتخذون القرارات التي تقتضيها الأحوال . ومكثوا على ذلك عشرين يوما رأوا في نهايتها الانتقال إلى دمشق ثانية ، وإكمال البحث والمداولة ، فسافروا إليها فرادى ، وتابعوا هنالك عقد اجتماعاتهم السرية في دار السيد حسن تقي الدين الحصني . مؤتمر دمشق وبعد ما تدارس الزعماء الأمر على مختلف وجوهه وأشبعوه تدقيقا تم الاتفاق على ما يجب السعي لتحقيقه . ويذكر المؤرخ الأستاذ محمد جابر آل صفا في كتابه « تاريخ جبل عامل » أسماء ممثلي جبل عامل في هذا المؤتمر ، فيقول : « وكان يمثل جبل عامل ، في ذلك المؤتمر ، العالم الجليل السيد محمد الأمين ، من الأشراف الحسينيين سكان شقراء ( جبل عامل ) والنبيل الحاج علي عسيران ، رأس الأسرة العسيرانية المعروفة في صيدا ، والشيخ علي الحر الجبعي ، وشبيب باشا الأسعد الوائلي . وكان هذا المؤتمر أول مؤتمر اشترك فيه الشيعيون للنظر في استقلال سوريا وفصلها عن جسم المملكة العثمانية ، عقد سرا في دمشق ، في نهاية الحرب العثمانية سنة 1878 » . ( 2 ) وكان الأمير عبد القادر قد بلغ في ذلك الحين مقاما جعله قبلة الأنظار ، وألف الناس في بلاد الشام ، الرجوع اليه كلما وقع فيها أمر جلل أو ألمت بها أزمة خطيرة . وكان للاحترام والتقدير اللذين نالهما في المحافل الدولية ، لا سيما في أعقاب حوادث سنة 1860 الشامية ، أثر كبير في المنزلة الرفيعة التي تبوأها في العالمين العربي والإسلامي . فلما داهمت الدولة العثمانية أحداث سنة 1877 أخذ اسمه يروج كرائد للحركة الوطنية ، لأن الصفات التي تميز بها الأمير والمؤهلات التي توافرت له ، تنسجم انسجاما كاملا مع مؤهلات الرائد . وفي الاجتماع الذي عينه زعماء البلاد الشامية لوضع القواعد والأسس للمواضع التي تدارسوها في اجتماعاتهم ، تقرر العمل لتحقيق استقلال البلاد الشامية ( وهي ما تعرف اليوم بسوريا والأردن وفلسطين ولبنان ) ( 3 ) وقدم أحمد الصلح اقتراحا بترشيح الأمير عبد القادر الجزائري ليتولى الملك على هذه البلاد . فوافق المجتمعون على هذا الاقتراح . وبتكليف من المؤتمر حمل جدي القرار إلى الأمير . وفي ذلك يقول محمد جابر : « ان المؤتمرين أقروا اختيار الأمير عبد القادر الجزائري أميرا على سوريا ونقل القرار للأمير ، المغفور له أحمد باشا الصلح » . لقد اختار أهل الديار الشامية الأمير عبد القادر الجزائري ليكون رأس حركتهم ورئيسا للدولة التي عزموا على انشائها ، وذلك لشرف نسبه ، ولأنه بطل قومي مجاهد ، وسياسي قدير فذ ، ورجل علم وأخلاق ومكارم ، ولأنه سبق أن أنشا دولة عربية قوية في بلاد المغرب الأوسط وناضل في الدفاع عنها ضد الاستعمار نضالا كان أسطورة ذلك الجيل وآيته واعجوبته ، واحتل بذلك في الأمة العربية مرتبة عز نظيرها . وقد اصطفاه أهل الديار الشامية دون أن يخطر لأحدهم انه ليس من أهل المشرق ، وان المشرقي أولى منه بهذه الولاية ، لأن النزعات الإقليمية لم يكن لها أي اعتبار في ذلك الزمن . فكان ابن الجزائر وابن دمشق وبغداد وبيروت وسائر بلاد العرب مواطنا عربيا قبل أي شيء آخر . وقد حل عبد القادر في دمشق ، مواطنا عربيا كريما ، أعزه أهلها وأجلوه وأنزلوه منهم منزلة السيد ، وولوه مكان الصدارة فيهم ، كما ولاه من قبلهم أهل الجزائر . وفي اليوم التالي للاجتماع الذي اتخذ فيه قرار تولية الأمير ، قصد أحمد

--> ( 1 ) طالما حدثني الشيخ أحمد عباس الأزهري ، عندما كان يأتي في أواخر الحرب العالمية الأولى سنة 1917 إلى منزلنا في ميناء الحصن ، في بيروت ، حين رجا منه والدي أن يدرسنا ، أنا وأخوتي ، اللغة والفقه والتاريخ ، طالما حدثني عن ذكرياته أيام النضال ، في الربع الأخير من القرن التاسع عشر . وكان يروي نبذا ووقائع عن نشاطه مع والدي في المجال القومي ، وعن دورهما في أعمال الجمعيات السرية التي تأسست في ذلك الحين ، وعن حركة السعي لاستقلال البلاد ، والأمير عبد القادر ، وهو حديث مستفيض لا يختلف عن حديث الوالد . ( 2 ) جابر آل صفا محمد « تاريخ جبل عامل » بيروت سنة 1963 ، صفحة 208 . ( 3 ) وكانت ولاية حلب يومئذ تضم علاوة على أراضيها اليوم مدن اسكندرون وأنطاكية وعينتاب ومرعش وأورفة . وهذه المدن تتبع اليوم الدولة التركية . وكانت الولايات العربية في الدولة العثمانية في ذلك الحين هي حلب وسوريا والحجاز واليمن وبغداد وطرابلس الغرب .