حسن الأمين
247
مستدركات أعيان الشيعة
باشا اليه في قصره في دمر ، وأبلغه ما اتفق عليه أعيان البلاد ، ورغم ما احتواه هذا التكليف من ثقة وتقدير ، رأى الأمير أن لا يقطع فيه قبل التروي والتبصر . واقتضى لذلك مشاورات ومفاوضات بين الطرفين كان يقوم بها والدي . ومن النقاط الرئيسية التي جرى البحث بشأنها : 1 - الخلافة . 2 - البيعة . 3 - ماهية الاستقلال المنشود . وكان من رأي الأمير أن يظل الارتباط الروحي بين البلاد الشامية والخلافة العثمانية قائما ، وأن يبقى الخليفة العثماني خليفة للمسلمين ، وأن تتم للأمير البيعة من أهل البلاد جميعا . وقد وافقه على رأيه في موضوع الخلافة أكثر الجماعة ، واتفقوا جميعا على تحبيذ ما طلبه بشأن البيعة وتعهدوا بتنفيذه . وأما فيما يتعلق بالبند الثالث ، فان المؤتمرين جميعا اتفقوا على إقرار مبدأ السعي لتحقيق استقلال بلاد الشام ، وتأجيل البت في مدى هذا الاستقلال ، إلى انتهاء الحرب الروسية العثمانية ، وانجلاء وضع الدولة ومصيرها . واعتمدوا في ذلك خطة التريث ، ريثما يتبين لهم الموقف الدولي المشوش ، وتظهر التطورات المتوقع حدوثها في السياسة العامة . وكانت انكسارات الدولة العثمانية في حربها مع الروس ، واشتداد الحركات الاستقلالية الانفصالية في بلاد البلقان ، وما كان واضحا من عطف الدول على هذه الحركات وتأييدها ، واهتمامها بدرس خصائص وأشكال الحريات المراد منحها للشعوب البلقانية . مضافا إلى ذلك ما كان يداخل نفوس الأهلين عندنا من القلق والخوف على مصائر بلادهم ، كل ذلك كان حافزا لزعماء البلاد على النهوض والسعي لدرء الشر ، والعمل على إنقاذ الوطن من الاحتلال الأجنبي ، قبل أن يطرأ ما يدعو الدول الأجنبية ، إلى بحث شؤون البلاد العربية والبت بقضاياها بشكل لا يتفق ومصلحتها القومية . وكان على هؤلاء الزعماء أن يتابعوا مجرى الاتجاهات السياسية طوال الحرب الروسية العثمانية التي بدأت في 24 نيسان سنة 1877 ، واستمرت نحوا من تسعة أشهر ، وانتهت بعقد معاهدة سان استفانو ، وعدلت بعد ذلك بأربعة أشهر في مؤتمر برلين سنة 1878 . وكان كذلك على رجال مؤتمر دمشق ، أن يراقبوا ما يجري في مؤتمر برلين ، ليتخذوا على ضوء ذلك موقفهم الأصوب . وكان يروج بين العاملين انه إذا تبين أن إحدى الدول الأجنبية تهدف إلى الاستيلاء على بلادنا ، كما كانت نية النمسا في البوسنة والهرسك ، وروسيا في بعض الولايات الشرقية من الأناضول : اردهان وقارص وباطوم ، وكما هي نية بريطانيا في قبرص ، فلا بد من طلب الاستقلال التام . أما إذا تبين انه ليس ثمة من عزم على احتلال البلاد ، فتكون الغاية تحقيق الاستقلال الذاتي كما هي الحال في مصر وفي بعض بلاد البلقان . واتفق الأمير والمؤتمرون على المضي في تهيئة الأسباب وتمهيد الأجواء لاعلان استقلال البلاد ، عندما تكتمل هذه الأسباب . وأن تكون بداية ذلك قيام الأمير بجولات في المناطق الشامية ، تمهيدا لتنفيذ البيعة المطلوبة ، ثم إرسال وفد إلى الأقطار الأوروبية ، يعمل لكسب تأييد دولها للقضية الاستقلالية . وكان من الأشخاص الذين تقرر أن يعهد إليهم بهذه المهمة ، رسل ودعاة ممن كانوا يقيمون خارج البلاد ، على أن يعمل هؤلاء في سرية تامة في بادئ الأمر ، وعلى أن يقوموا بالدعاية للقضية في الصحف والمجتمعات ، عندما يحين الوقت المناسب لنشر المطالب والترويج لها . الجولة الدعائية وتابع والدي حديثه عما جرى بعد ذلك فقال : انه أعلن اختتام المؤتمر ، وتفرق الأعضاء كل إلى بلده ، وعددهم ثلاثون شخصا ، وترك الأمير دمشق ليقوم برحلات دعائية في مختلف أنحاء البلاد ، بصحبة بعض أعيانها ووالدي . وخشية من أن تلفت هذه الجولات المفاجئة أنظار السلطة وتثير تساؤلها ، وخوفا من تنبه رجالها للغرض الحقيقي منها ، اتخذ المتجولون زيارة الأمير لمواطنيه الجزائريين ذريعة لتنقلاتهم ورحلاتهم . وكان هؤلاء الجزائريون قد نزحوا عن الجزائر مع الأمير خلال غيابه في منفاه ، وبعد قدومه إلى دمشق ، ووفدوا إلى الديار الشامية وانتشروا فيها جماعات ، وقدر عددهم بستة آلاف ، وكان الأمير ورجال الحركة يعتبرون هذه الجماعة المدربة على القتال نواة لقوة محاربة يستعان بها عند الاقتضاء . وكان من المدن والمناطق التي رافق والدي الأمير إليها صيدا وجبل عامل ( 1 ) وعكا ويافا والقدس ونابلس وبعلبك وغيرها . وقد حدثني والدي عن الأثر البالغ الذي تركته هذه الزيارات في نفوس زعماء البلاد ، وكيف أن أهالي المدن التي حل فيها الأمير والقرى التي مر بها أخذوا بما شاهدوا من ورعه وتقواه ، وبما سمعوا من مناقبه ومكارمه ، حتى أن بعضهم طفق ينسب اليه الخوارق ، ويروي عنه الحكايات على أنها كرامات الأولياء والأتقياء . اهتمام الدول الأجنبية بحركة الاستقلال الشامية ويبدو ان القنصليات الأجنبية في المدن الشامية كانت قد تنبهت إلى هذه الحركة وتتبعتها عن كثب وأوقفت حكوماتها على ما بلغها عنها . ففي 19 تشرين الأول سنة 1879 ، أرسل قنصل فرنسا العام في بيروت Delaporte إلى وزير الخارجية الفرنسية برقية يقول فيها : « يشاع هنا ان ثمة مؤامرة عربية تدبر في سوريا لها فروع في ولايات حلب والموصل وبغداد ومكة والمدينة ، هدفها إنشاء مملكة عربية ، يرأسها حاكم عربي . إلا انني لست في وضع يمكنني من تأكيد هذه الشائعة . على أن في مثل هذه الفترة التي تسود فيها الفوضى التامة هنا ، اعتقد انه ليس ثمة ما يحول دون تحقيق هذا المشروع . وقد ذكر اسم عبد القادر الزعيم الجزائري الشهير الذي يقيم اليوم في دمشق ، ليكون السلطان المقبل لهذه المملكة » . ( 2 ) وهذه الوثيقة تحمل تاريخا يلي مباشرة تاريخ انعقاد مؤتمر دمشق . ولا شك ان أخبار هذه الحركة بلغت كذلك مسامع سائر ممثلي الدول في دمشق وبيروت ، ونقلها هؤلاء إلى حكوماتهم ، كما بلغت مسامع القنصل الفرنسي في بيروت ، ونقلها بدوره إلى حكومته . وعلى ذلك ، لا بد أن يكون في دوائر باريس ولندن وإستانبول وغيرها وثائق أخرى تتعلق بهذه الحركة . الشيخ محمد علي الشهير ب ( الحاج الشيخ آقا بزرگ الشاهرودي ) ابن الشيخ علي نقي بن الشيخ محمد علي الذي جمع بين الرئاسة
--> ( 1 ) روى لنا السيد عبد الرؤف فضل الله عما سمعه من الشيخ موسى مغنية ، الذي كان حاضرا في بلدة بنت جبيل من جبل عامل زيارة الأمير عبد القادر للشيخ موسى شرارة ، وعن الترحيب الذي لقيه الأمير في زيارته لهذه البلدة ، وقبوله ضيافة الحاج سليمان بزي ، وكيف أن الشيخ محمد حسين مروة الملقب بالحافظ ألقى أمام الأمير في مجلس الشيخ موسى شرارة خطبته ( الشقشقية ) الشهيرة للإمام علي . وغير ذلك من شؤون تلك الزيارة . ( 2 ) الدكتور زين ، عن الوثيقة الموجودة في وزارة الخارجية الفرنسية .