حسن الأمين
221
مستدركات أعيان الشيعة
في الحقيقة أن خاتم أبي إسحاق الفيروزجي قد أومض في بهاء ، ولكن دولته كانت متعجلة . وكان الشاعر يحب أن يتذكر أولئك العظماء الذين شرفوا بمواهبهم المختلفة بلاط آخر بني اينجو . فقال هذه الأبيات التي أصبحت مضرب الأمثال لكثرة ما رددها الناس ترديدا أصيب في بعض الأحيان بشيء من التشويه : في عهد سلطنة الشاه الشيخ أبي إسحاق ما أعجب ما كان ملك فارس عامرا بخمسة اشخاص الأول ملك مثله يمنح الولايات وقد أعد نفسه حتى أمن عدالة العيش الرغيد ثم ولي الإسلام الشيخ مجد الدين الذي لا تذكر السماء قاضيا أفضل منه ثم بقية الأبدال الشيخ أمين الدين الذي حل يمن همته الأعمال المعقدة ثم ملك العلم عضد الذي في التصنيف وضع باسم الشاه كتابه « المواقف » ثم ذلك الكريم القاضي قوام ذو القلب الخضم الذي أكسبته دنيا العطاء والعدالة صيتا حميدا أولاء لم يتركوا نظيرا لهم ومضوا فالله عز وجل يرحمهم أجمعين باستطاعتنا أن نميز الرجال المشهورين الأربعة الذين ذكرهم حافظ مع أبي إسحاق . فأحدهم مجد الدين إسماعيل الذي قصده ابن بطوطة بصورة خاصة عند زيارتيه الاثنتين لشيراز . فقد زاره في المدرسة المجدية حيث كان يقوم بإعطاء الدروس . وهو يروي انه رأى هناك أبا إسحاق نفسه واقفا بين يدي الفقيه الكبير ممسكا إذن نفسه في يده ، وهكذا فعل أمراء التتار عند ملوكهم . وكان والد مجد الدين ، ركن الدين يحيى ، فقيها مشهورا أيضا وقد مدحه سعدي فلم ينسه ركن الدين في أواخر حياته . ولا بد أن يكون ذلك قد أضرم طموح حافظ الفتى بالذكريات عن عبقريته الشعرية . وأما الشيخ أمين الدين محمد ، وهو ابن الشيخ زين الدين علي الكازروني ، خير خلف لخير سلف ، وسليل أسرة اشتهرت بتدينها منذ القدم ، فهو بالإضافة إلى كونه معلما بارزا ، كان ينظم الشعر . ويعد من جملة تلاميذه وبعد سنتين أعاد الكرة على كرمان فمني للمرة الثالثة بفشل ذريع . وقد قوى هذا النصر النهائي من عزيمة مبارز الدين فنقل المعركة إلى معسكر العدو . وفي سنة 1353 م استولى على شيراز ، وواصل انتصاراته ليأخذ أصفهان ويقتل عدوه العنيد الشجاع وذلك سنة 1357 م . كان حكم المؤرخين ، كحكم التاريخ ، ضد أبي إسحاق . فقد كان ، على ما امتاز به من صفات محببة إلى النفس لم يكن تشجيع الفنون والآداب بأقلها ، ظاهر القساوة إلى حد الجنون ، وليس هنالك من يضاهيه في تلك الأوقات العاصفة التي عاش فيها ، لا سياسيا ولا عسكريا . ففي ذلك العصر الذي امتاز بالحروب المستمرة كلف بفنون السلم كلفا شديدا . فقد كان في أحسن أوقاته وهو يستمع إلى الموسيقى الجميلة ويحتسي خمرة شيراز الحلوة محاطا بالشعراء ينظمون فيه القصائد ويغالون فيها بمدحه . ذلك كان من صالح الأدب ولكنه لم يكن من صالح الدولة قط . فلم تكن مجالس الشراب ولا قصائد المديح لتستطيع أن تحافظ على دولته المتداعية . فما ان نازل بضعفه قائدا صلبا شجاعا مثل مبارز الدين حتى تحطمت دولته شر تحطيم . وهكذا قل رواج الشعر الذي كان ينظمه حافظ من خمريات وغزل وغناء . وإذا به يصاب بخيبة ، فيجد نفسه ( كما تدلنا احدى المخطوطات المؤرخة سنة 1355 م والمحفوظة في ( طشقند ) وقد صار إلى رجل ينسخ أشعار غيره من الناس ليربح قوت يومه . ولنسمعه يندب الأيام الحلوة التي مضت : لم نعد نرى المحبة ، في أحد ، فما ذا أصاب الأحبة الأعزاء . . . ؟ ! وهل انعدمت الصداقة . . . ؟ وما ذا أصاب الرفاق والأصدقاء . . . ؟ ! ولقد تكدر « ماء الحياة » . . . فأين « الخضر » السعيد الأثر . . . ؟ ! وفاضت دماء الورد . . . فما ذا أصاب نسمات الربيع المنتظر . . . ؟ ! وكانت هذه الديار ديارا للأحبة والأصحاب فلما انتهى الحب لم أدر ما ذا أصاب منازل الأحباب . . . ؟ ! وقد طرحوا ، في وسط الحلبة ، كرة الكرامة والإحسان ولكن أحدا لا يقتحم الحلبة . فما ذا أصاب الخيالة والفرسان . . . ؟ ! ولقد أينعت الورود ، ولكن الطير صامت عنها . . . غافل . فما ذا أصاب الطير ، وما ذا اسكت العنادل والبلابل . . ؟ ! وأحرقت « الزهرة » قيثارتها ، فلم تعد تتغنى بلحن الحب والحنين . ولم يعد أحد من الناس يشرب على لحنها ، فما ذا أصاب الحريفة الشاربين . . . ؟ ! فيا « حافظ » . . . ! صمتا . . . ! فلم يعد أحد يعرف أسرار الإمكان . ولم تعد لك فائدة من أن تسأل أحدا عما أصاب الزمان . . ! ! ودار دولاب الحظ مسرعا نحو نكبة أخرى . فلم يطل الزمان بالفاتح المقدام لينعم بامبراطوريته الجديدة . ففي سنة 358 وقع في أسر ابنه الشاه شجاع بينما كان على رأس حملة عسكرية استولى فيها لوقت قصير على مدينة تبريز . فأمر ابنه بسمل عينيه تبعا لتلك العادة البربرية السائدة في تلك الأيام . ثم قضى نحبه سنة 1364 م . ويظهر أن حافظا لم ير من المناسب أن يلتمس فضل مبارز الدين ، ذلك الأمير الفظ ، مع أنه نظم قصيدتين يمدح بهما وزيره برهان الدين فتح الله . لم يكن الحسد الأخوي ومنافسة الدويلات المجاورة ليحولا دون أن يتبوأ الشاه شجاع عرش إقليم فارس لسنوات طالت نسبيا . ففي سنة 1363 استولى أخوه محمود على يزد ، وقد كان يحكم على أبرقوه وأصفهان . ولكنه ما لبث أن حوصر في أصفهان حتى وصل [ الأمير ] الأمر إلى اتفاق ما كان ليدوم طويلا . ففي السنة التالية تحالف محمود مع أويس الجلائري الذي كان على بغداد منذ سنة 1355 ، ليضرب حصارا حول شيراز دام أحد عشر شهرا وانتهى باستيلائه عليها . ولكنه لم يلبث أن خسرها ثانية سنة 1366 . وفي سنة 1375 مات الشاه محمود فاستولى الشاه شجاع على أصفهان . واستطاع في السنة نفسها أن يخضع أويس فظن أمير شيراز أن الوقت قد حان لأن يتوسع بفتوحاته نحو أذربيجان محاربا حسينا أمير بغداد الجديد . غير أن ما أحرزه الشاه شجاع من انتصارات كان نصيبه الخسران ، فسرعان ما تبين له أن الشاه يحيى ابن أخيه يحوك المؤامرات ضده . فأوقف فتوحاته وعقد صلحا مع حسين ، وأزوج ابنه زين العابدين بابنة صاحب بغداد . غير أن ذلك لم يضع حدا للخلاف بين الأميرين المتجاورين . ففي سنة 1381 قتل حسين بيد أخيه احمد ، فالتمس هذا صداقة الشاه شجاع ومعونته لكي يتسنى له أن يجابه ما ينتج عن ذلك من مطالب للطامحين بالعرش . ولكنه سرعان ما تنكر لهذه الصداقة حالما ضمن العرش لنفسه . غير أن سحابة كانت تتجمع في الأفق في تلك الأثناء لتستحيل إلى عاصفة سرعان ما كسحت كل تلك المؤامرات الصغيرة لتحيلها إلى دمار وترميها في مطاوي النسيان . ولد تيمور لنك ، ذلك الذي أورث الذكريات الرهيبة ، سنة 1336 في بلدة كش من بلاد ما وراء النهر ، واعتلى العرش بعد أن أراق الدماء فيكون بذلك