حسن الأمين
222
مستدركات أعيان الشيعة
الوريث الأصيل لجغتاي والحفيد الحقيقي لجنكيز خان . وبعد أن بقي عشر سنوات في تدعيم حكمه ، اجتاح خراسان سنة 1380 ، وفي غضون سنتين استولى على جرجان ومازندران وسجستان . أما الشاه شجاع فقد سلم بهذا الشؤم وابتاع رضى الفاتح العظيم بتقديمه الهدايا الثمينة له وتزويجه ابنته . وفي سنة 1384 وافاه الأجل فاراحه من المتاعب المقبلة . شهد عهد الشاه شجاع تفتح عبقرية حافظ على أكملها . ففي عهده رجع الشيرازيون المتخوفون إلى سابق بهجتهم : في وقت السحر . . . أوصل « هاتف الغيب » إلى سمعي هذه الأنباء السارة . بان الدورة للشاه شجاع ، فاشرب الخمر في جرأة وجسارة . . . ! فلقد انقضى ذلك العهد حينما كان ينزوي « أهل النظر » وفي أفواههم آلاف من ألوان الحديث . . وشفاههم صامتة تنتظر . . . ! ! فلنقل الآن هذه الحكايات الطوال على صوت القيثارة فقد ضاق باخفائها صدري ، واضطرب بما فيه من نار حارة . . ! ! والملوك وحدهم هم الذين يعلمون مصلحة الملك والسلطان فحذار من أن تنبس ببنت شفة يا « حافظ » فإنك سائل مسكين يلازم الأركان . وكان هذا الحذر في محله . فمع أن حافظا أفاد كثيرا من الروح التحررية التي كان يتميز بها الأمير الجديد فان العلاقات بين الأمير والشاعر لم تكن دائما على ما يرام . فالمنافسة على عطايا الملك كانت شديدة كالمعتاد ، لا حدود لها يقف عندها المتنافسون في معركة الدهاء التي لا تعرف الرحمة . ذلك ما حدث لحافظ ، فوقع فيما لا تحمد عقباه . فقد رأى أن يتأمر على عماد الدين الكرماني ، وكان المفضل من بين المتصوفين عند الشاه شجاع ، فلم يكن شاعرا وحسب بل كان إلى ذلك مشهورا باجتراح المعجزات . وقد درب هره أن يتابعه في الصلاة فيركع إذا ركع ويسجد إذا سجد . وأدهش هذا الأمر صاحب شيراز ، فظن حافظ انه إذا ما تهكم عليه فقد يبتعد الشاه عن هذا النظير الخطير . فما كان منه الا أن خاطب الشاه بهذه الأبيات : نصب « الصوفي » شباكه وفتح طوايا جعبته الماكرة ووضع بذلك أساس المكر والخديعة مع الأفلاك المشعوذة الساحرة . ولكن ألعوبة الفلك كسرت له بيضة في قلنسوته لأنه اجترأ على عرض شعوذته على « أهل الأسرار » . . . ! ! اما أنت أيتها الحمامة التي تختال في مشيتها . . . إلى اين تذهبين . . . ؟ ! قفي . . . ولا تنخدعي إذا أصبح قط الزاهد بين المصلين . . ! ! وأنت يا « حافظ » ! لا تلم المعربدين ، لأن الله منذ الأزل لم يجعلنا في حاجة إلى الزهد والرياء والدجل . . . ! ! ولكن بدلا من أن يشكر الشاه شجاع لحافظ تحذيره هذا ، غضب عليه لنيله من ذكائه ، أو ربما لأن حافظا شبه الشاه بحمامة كانت ألعوبة سهلة بيدي هر سارق . ومما زاد الطين بلة حادث آخر اعتبره الشاه حطا بكرامته ، فقد كان الشاه شجاع ، ككثير من الناس في ذلك الزمان ، يقضي وقته بنظم الشعر ، فظن من حقه أن ينتقد حافظا ، فقال له ذات يوم : « ان واحدة من غزلياتك لا تجري على نهج واحد من أولها إلى آخرها . بل اننا نجد في الغزل الواحد بعض الأبيات في وصف الخمر ، والبعض الآخر في التصوف والباقي في التغزل بالحبيب ، وهذا التلون والتنوع في أغراض الغزل لا يجيزهما البلغاء والفصحاء » . فأجابه حافظ : « ان ما قاله مولاي هو عين الصدق ومحض الصواب ، ومع ذلك فان أشعار » حافظ « يتردد ذكرها في سائر الآفاق ، بينما لا تستطيع أن تتعدى أقوال غيره من الشعراء أبواب شيراز » . وقد أغضب الشاه شجاعا هذا الرد اللاذع ، الجريء حتى بالنسبة إلى شاعر فارسي ، فما زال يتحين الفرص ليتخلص نهائيا من هذا التابع المتمرد . حتى تهيأت له الفرصة عندما نمي اليه أن حافظا نظم قصيدة ورد فيها هذا البيت : إذا كان الإسلام هو ما لدى حافظ من معتقد . فوا ويلاه إذا كان بعد اليوم ، يوم آخر . . . ! ! فقال الملك : « لما ذا ، ان حافظا هو مجرد كافر ، ينكر البعث . فكفروه أيها الفقهاء » ! فخاف حافظ وأسرع إلى زين الدين التايبادي ، أحد الأولياء المشهورين ، وقد كان مارا بشيراز في طريقه إلى مكة ، وعرض عليه الأمر ، فأشار عليه هذا الصوفي اللبق أن يسبق ذلك ببيت آخر يقرر فيه انه سمع شخصا يقول البيت المأخوذ عليه . فاخذ حافظ ممتنا بهذه المشورة وعاد إلى الشاه شجاع معدلا القصيدة : وما أجمل ما جاء في هذا الحديث الذي سمعته في وقت السحر ووعته أذناي . عندما أخذ يغنيه « مسيحي » على باب الحانة وعلى نغمات الدف والناي . . . ! قال : إذا كان « الإسلام » هو ما لدى « حافظ » من معتقد على هذه الشاكلة . فوا ويلاه . . . ! إذا كان بعد اليوم يوم اخر ، أو غداة مقبلة . . . ! ! ذاك هو نوع الروايات التي دونها المؤرخون المتأخرون عن حافظ والشاه شجاع . فليس لدينا أي سجل معاصر لهما . ويبدو أن هذه الروايات هي على الأرجح روايات مختلفة قصد منها توضيح بعض الأمور الغامضة مما ورد في مؤلفات الشاعر المجموعة وتفسير بعض محاولات التقرب إلى الأمراء الآخرين . فهناك قصة رويت بالمناسبة مؤداها أن محمود شاه البهمني أرسل إلى حافظ يدعوه إلى بلاطه في الدكن « ومنحه مبلغا من المال ينفقه على رحلته . فأنفق الشاعر قسما كبيرا منه قبل مغادرته لشيراز ، وعند وصوله إلى بلدة لار ، في طريقه إلى الخليج الفارسي ، التقى بصديق له معدم فأعطاه ما تبقى معه من مال . ثم هيات له الظروف أن يلتقي بتاجرين فارسيين ، هما خواجة زين الدين الهمداني وخواجه محمد الكازروني ، وكانا في طريقهما إلى الهند ، فعرضا عليه أن يدفعا له نفقات السفر نظير التمتع برفقته . فسافر معهما إلى ميناء هرمز ثم استقل السفينة التي كانت تنتظره هناك ، فما كادت تبحر به حتى هبت عاصفة هوجاء هالته هولا شديدا وجعلته يعدل عن عزمه ويعود من حيث أتى . فلما رجع حافظ إلى شيراز أرسل إلى محمود شاه قصيدة نظمها في هذه المناسبة . وقد نقل مؤرخ هندي عاش في القرن التاسع عشر هذه الرواية فأخذها أ . غ . براون على ظاهرها كما فعلت جرترود بل وغيرها . غير أن محمود شاه لم يعتل عرش البهمنيين الا في سنة [ 1482 ] 1384 وهو غلام في الثانية عشرة من عمره وبذلك نكون أمام أمرين : اما ان دعوته وصلت إلى حافظ وقد بلغ من الكبر سنا لا تسمح له على الأرجح بالقيام بمثل هذه الرحلة الطويلة ، وأما أن تكون هذه الحادثة ، من قبيل الروايات المسلية . وتتحدث رواية أخرى ، هي أقرب إلى الواقع من سابقتها ، عن عزم حافظ على الإقامة في بغداد ، وذلك عندما كان السلطان أويس على عرش الجلائريين ( حكم من 1355 - 1374 ) . غير أن حوادث القصة تجعلها أقرب إلى وقوعها في السنوات الأخيرة المظلمة من عهد مبارز الدين من وقوعها في عهد الشاه شجاع .