حسن الأمين

202

مستدركات أعيان الشيعة

بين طريقة الصوفيين المحض الذين يهتمون بتهذيب الباطن ، وطريقة الفلاسفة الذين يميلون إلى العلم الصرف ، برزخا يتوسط الطريقتين ويصل ما بينهما ، وهذا الوضع يوضح السبب في أن ملا صدرا يلوم بعنف وخشونة بعض الصوفية الذين يعدون الفعالية العقلانية شيئا هباء ، هؤلاء العمي في تحقير الفلسفة عمى أعدائهم الجهلة القشريين . أن ملا صدرا يمثل في الواقع نوعا من المعنوية الشيعية التي مع استعمال لغة التصوف الفنية لا ترتبط بآية طريقة صوفية ، لأن العرفان الشيعي نفسه يؤلف طريقة ، والرابطة الداخلية مع الأئمة ( ع ) نفسها مقدمة لدخول مرحلة السير والسلوك . فلسفة المعاد من هنا يمكننا الوقوف مرة أخرى على مجموعة الموضوعات الأساسية التي تميز تفكير ملا صدرا وأن ندرك حدود بنائه . من الواجب ( في هذه الحالة ) أن نقيد أنفسنا ونحدها ببضعة موضوعات ، أولها موضوع يقلب فلسفة أصالة الماهية التي كانت رائجة منذ عصر الفارابي وابن سينا . فقد كان الرأي مستقرا في ما سبق على أن الماهية أمر ثابت دون أن يحمل فعل الوجود معنى التحقيق ، لأن وجود شيء ما ليس الا ماهيته ، ولا يضيف على الماهية أي شيء ، لأنه ليس مظهر الماهية . ولقد قلب ملا صدرا هذه النظرية ، وهذا ما سمح له في شرحه للسهروردي أن يعبر عن الحكمة الاشراقية تعبيرا « وجوديا » . تقوم فلسفة ملا صدرا الوجودية على أن لا ماهية تتقدم على الوجود ، بل أن وجود شيء ما هو يعين ماهيته ( 1 ) ، وأن الشيء يستطيع بسبب وجوده أن يكون هو ، أي تتحول ماهيته من القوة إلى الفعل . طبعا يجب أن لا نعد ملا صدرا واحدا من فلاسفة « أصالة الوجود » أو « إكزيستانسياليستى » عصرنا الحاضر . أن هذه المقايسة لا تعدو أن تكون مهزلة . ان ما يريد صدر الدين أن يقوله هو أنه بما أن وجود شيء ما هو الذي يعين ماهيته ، فماهية شيء ما ليست فقط شيئا غير ثابت ، بل انها - استنادا إلى فعل وجودي - تستطيع أن تجتاز مراتب الشدة والضعف التي لا يمكن عمليا تعدادها . إذا فنحن لا نواجه في فلسفة ملا صدرا ميدان ماهيات ثابتة كما رأينا عند الفلاسفة السابقين ، بل اننا نواجه تحركا وجوديا ( عقيدة الحركة الجوهرية المعروفة ) تجتاز الماهية طبقا له سلسلة من التبدلات الوجودية ، وكل من هذه المراتب مرتبة من عالم الوجود . مثلا يمكن أخذ مفهوم الجسم . لا يجب لادراك ماهية الجسم أن نحد فعل الوجود بالعالم الجسماني فقط ، الممكن إدراكه عن طريق الحواس الخارجية . يجب أن نبدأ مفهوم الجسم من العنصر البسيط ( بمعنى الطبيعيات القديمة حيث يكون للعنصر طبقا لها معنى كيفي لا كمي ) وأن نتتبعه في التبدلات المتتالية التي تنتقل به من مرتبة الجماد إلى النبات فالحيوان ثم الجسم الحي فالناطق القادر على فهم الحقائق المعنوية . أن هناك حركة وجودية عظيمة ، من أعماق الجماد ، حتى الظهور الأرضي للإنسان ، ثم ما وراء هذه الصورة بالتالي ، لأن الوجود الإنساني في وضعه الوجودي في هذا العالم لا يزال وجودا برزخيا . لذا يجب ألا يقع التباس أو اشتباه ، بل يجب الانتباه إلى أن نظرية ملا صدرا قد علت نظرية التطور التي غدت اليوم في أوروبا بمثابة عقيدة دينية ، ووجهت وجهة أخرى غير وجهتها ، ذلك أن كل شيء في نظرية التطور يقع في جهة مستقيمة أفقية وفي مرتبة وجود واحدة . ان الحديث يرد من هذه الناحية أو تلك عن « معنى التاريخ » ، وينسى كثير من الناس أن عليهم إذا أرادوا التحدث عن مثل هذا الموضوع أن يعدوا المقدمات لعالم معاد . أن حركة العالم في نظرية ملا صدرا وجميع أمثاله من المفكرين ، ليست حركة عالم في حال التطور ( بمعناه الجديد ) ، بل هي حركة عالم في حال الصعود والارتقاء . ان الماضي ليس وراءنا ، بل تحت أقدامنا . ان اتجاه هذا العالم اتجاها عموديا يمكن القول بمشابهته للأسلوب الكوطي في البناء ، يتوافق مع مفهوم المبدأ والمعاد الذي بواسطته يسخر عالم ما وراء التاريخ عالمنا . حين تصل حركة الوجود الصعودية إلى صورة الإنسان الأرضي يبدأ عهد جديد في التبدلات الوجودية ، لأن الإنسان عتبة منها يتحقق صعود العالم إلى مراتب أرفع للوجود وصور أعلى . ان الوجود الإنساني منذ هذا الوقت هو - على الأقل بالقوة - في عدة عوالم ، لأن الإنسان مؤلف من حقيقة مثلثة : جسم ونفس وروح أو عقل ، هي نفسها حقيقة معرفة الإنسان المثلثة في العرفان القديم : سوما Soma بسيكه Psyche بنوما Pneuma وثمة كذلك ثلاثة أنواع من الإنسان : إنسان طبيعي وإنسان نفساني وإنسان عقلاني أو روحاني ، ويوافق كلا من هذه المراتب الإنسانية تلطف تدريجي في مقام الجسم ومفهومه ، فهناك أيضا جسم مادي ، وجسم نفساني ، وجسم معنوي أو روحي . أن كلا من الجسمين الأخيرين مظهر لبعثة أو معاد في المستقبل يختار الإنسان نوعه في حياته النفسية على الأرض ، ويحدد بنفسه إن كان أهلا لحياة أفضل ، أو أنه سيغلب ويسقط في أعماق نفسه ( 2 ) ان من الواجب الانتباه بطور عابر إلى المصادر النظرية لهذه الحكمة الإلهية . ان هذه الحكمة ، بالامتناع عن تحديد الماهية بالمقولات الثابتة غير القابلة للتغير ، تولد مفهوما للمادة يختلف تماما عما يسمى مادة ، على الأقل في اصطلاح اليوم ، لأن المادة في حكمة ملا صدرا مادة أولية هي في نفسها مادة روحانية . . اننا نعلم أن هذا المفهوم للمادة مستمد في الفلسفة الإسلامية من الكتابات المنسوبة إلى أنباذ فلس التي استعملت قبلا في موارد عديدة في حكمة ابن عربي . أن هذا التفكير يجعل حكمة ملا صدرا متوافقة مع نظرية معاصريه من فلاسفة كمبريدج الأفلاطونيين ، فهنري مور Henry More مثلا يتحدث ( لبيان : البعد الرابع ) عن « التراكم الروحاني » Spisstiudo Spiritualis ( 3 ) ، كذلك يتحدث في القرن الثامن عشر حكيم

--> ( 1 ) ان كتاب المشاعر ( الذي سبقت الإشارة اليه ) متعلق في الأصل بإثبات أصالة الوجود مقابل الماهية . ( 2 ) راجع بشأن ارتقاء الجسم وصعوده هذا شرح أصول الكافي ، ص 272 - 273 في شرح مبسط بعنوان « تحقيق عرشي وتمهيد مشرقي » ، وراجع كذلك مقالتنا : Le theme de la resurrection dans le Commentaire de Molla Sadra Shirazi sur la Theosophie Orientale de Sohrawardi ShaykH al - Ishrag الفصل الخامس : " LA triblE croissanc de lhomme " . . ( 3 ) راجع كتابنا : 1961 . Terre celeste et corps de resurrcctioe de LIran Mazdeen Airan shiite paris . ص 275 .