حسن الأمين

203

مستدركات أعيان الشيعة

ألمانيا الكبير فريدريك اوتينكر Friedrich Oetinger الذي كان من تلامذة بوهمه Boehme وسويدنبورك Swedenborg عن « جسمانية الروح » Geist Lebilich keit . ان ما يحير في هذه النظرية هو الامتناع من قبول ثنوية الروح والجسم ، أو الفكر والامتداد ، ثنوية متضادة غير قابلة للتحليل ، الثنوية التي جرت الفلسفة إلى طريق مسدود . لكن يجب ألا نعد ديكارت وحده مقصرا في هذا الأمر ، فسوء حظ هذه الثنوية يتبع من مبدأ أقدم . أن أصله يعود في نظري لمجمع الكنيسة الثاني في القسطنطينية سنة 864 ميلادية الذي عدت فيه مراحل علم معرفة الإنسان الثلاث التي هي ميراث العرفان ( وبدون دليل مظنون ) عبثا وباطلا ، واكتفي بمفهومي الروح والجسم . إذا أردنا أن نفهم بعمق ثقافاتنا المعنوية . فعلينا أن ننتبه إلى عواقب هذه الأمور ، لأننا نرى هنا أن عقيدة بشأن القوة المتخلية الفعالة تتسع في مرتبة الإنسان النفساني و « الجسمانية الروحانية » حتى تهدم النظريات العادية بشأن المعرفة المحبوسة في ثنوية الاحساس والإدراك . ان على بساط البحث هنا تخيلا يختلف تماما عما نعطيه اليوم هذا الاسم والذي ليس سوى وهم يصدر عن الخيال . هذا التخيل عبارة عن أداة للإدراك والعلم الحقيقي تحتل ما بين الإدراك الحسي والعلم العقلاني ، كما تحتل النفس مرتبة ما بين الجسم والروح . أن ما تدركه هذه الأداة هو بصورة مطلقة من عالمها هي ( عالم المثال ، العالم الذي الأجسام فيه في حالة روحانية ، عالم « الجسم عند البعث والنشور » ) عالم بين العالم الأدنى والعالم الأعلى ، عالم النفس ، أو البرزخ القائم بين عالم المادة وعالم العقول الكروبية ، لذا يعد ملا صدرا القوة المتخيلة الفعالية - وبدون تردد أو تمهل - قوة معنوية كالعقل ، قوة متجردة عن جسم الإنسان ، لأنها نفسها وبنحو ما جسم النفس اللطيف . ان هذا العالم البرزخي كله قد فقد في فلسفة ابن رشد ، وكانت نتيجته بالنسبة لدنيا الغرب وخيمة جدا ، لأن الإنسان يستطيع بواسطة هذا العالم الوسيط وحده أن يدرك الحقيقة المعنوية لمشاهدات الأنبياء كحقيقة صورية ، وبواسطته يستطيع أن يحصل على اليقين في حقيقة الكشف وشهود العرفاء ، وبواسطة هذا العالم يستطيع أخيرا أن يدرك مسألة المعاد الجسماني ، هذه المسألة التي لا يمكن تصورها إلا إذا كان في اليد مفهوم دقيق للجسم اللطيف ، وهذا هو السبب في أن ملا صدرا قد انتقد بشأن هذا الأمر الأساسي ، كلا الغزالي المتكلم وابن سينا الفيلسوف ( 1 ) ان فلسفة ملا صدرا ، ككل الفكر الشيعي ، تستلهم مبدأها من البحث في المعاد ، وهذه الفلسفة تتجلى كفلسفة مبنية على الوحي تجعل في يد الإنسان أن يختار مستقبله بنفسه . وعلي أن اعترف ان مما يحير ان الإنسان يشاهد اليوم في أوروبا نجاحا لا يخلو من ضجيج في إقامة بناء كلامي وفلسفي مجمل يقوم على أساس من العلوم والصنائع الجديدة ، ويدعي انه يفتح للإنسان « أبعاده العالمية » ، بينما هو تماما « غير انساني » ، لذا يمكن لحكيم من مدرسة دينية أن يقول في هذا البناء منصفا كل الإنصاف أنه « إلهيات غلبت على أمرها بالمجهر والمنظار والآلة ونتائجها الفلسفية والاجتماعية . أما في رأي ملا صدرا وجميع أتباعه فإنه ، على العكس ، لا يمكن التحدث عن « الأبعاد العالمية » للإنسان إذا اعتمد على التجربة الحسية وعلى الإنسان الجسماني فقط . ان « الأبعاد العالمية » للإنسان تستمد معناها من ارتباطه بالعوالم العليا واحيائه في هذه العوالم . ان من الواجب أن يوضع يوما كتاب في فلسفة المعاد خاصة عند ملا صدرا . ان بناء الإنسان المثلث الذي يشمل الجسم والنفس والروح يوجب أن ينشأ ويرتقي ثلاث مرات على الأقل ، إحداها حين يخرج الإنسان من هذا العالم ، هذا الخروج الذي نسميه الموت . هنا تحيا الروح في عالم البرزخ مع جسم لطيف نفساني وروحاني يسمى الجسم المكتسب وهو يرتبط بوجود النفس وأفعالها وتحركاتها وأميالها ، ويتبعها في عالم البرزخ . هذه المرحلة يطلق عليها في التعبير الديني القيامة الصغرى . ثم تصل النفس بعدئذ أثناء تلك الواقعة في ما وراء التاريخ التي يسمونها القيامة الكبرى إلى المقام الكامل للإنسان المعنوي . إذا فما نسميه الجسم يواجه تحولات وتبدلات تطرأ عليه تطابق البناء المثلث للواقعية الإنسانية ( 2 ) يقول ملا صدرا في متن جذاب : « من هذا التجلي الأتم ، يتبدى مظهر أعظم ، ومن هذا المظهر تطلع الأسماء الباطنة ، ومن الأسماء الباطنة يتوسع العرش ، ومن توسع العرش تتوسع دائرة الآخرة ، ومن توسع هذه الدائرة ينشأ الإنسان ويرتقي نشئا وارتقاء أخرويين تامين » ( 3 ) ترى ، أيمكن لفكر يبسط أمامنا مثل هذه الآفاق ألا يحمل لدنيانا اليوم أية رسالة ؟ انا موقن أنه يحمل رسالة ! الا انني أخصكم بخطابي أنتم يا أصدقائي الشبان الإيرانيين . انني اعلم أن بينكم أشخاصا يؤمنون بهذه المعتقدات الرفيعة ويعيشون على أساسها بإيمان ولذة عاينتهما بنفسي وأنا عليهما شهيد ، ولكنني أعلم كذلك أن بينكم أشخاصا آخرين ، شبانا أو ممن عبروا سنوات الشباب ، يعكسون عند سماعهم بهذه الأسماء والأفكار رد فعل سلبي ليس أكثر من عذر لجهلهم ، أو انهم ينكرونها ، وذلك في أكثر الموارد أيضا اعتراف بحزنهم وأساهم على البعد عن هذه المنابع . ان هؤلاء الأشخاص قد جازت عليهم ولا شك خديعة أسطورة « معنى التاريخ » وهم لا يستطيعون أن يفكروا في الوقت الحاضر بشأن ما يعدونه من الماضي ، لأنهم يتوهمون أنهم قد اجتازوه . انني أريد ان اسال هؤلاء : اين قدر نهر ما ؟ هل يكون هذا القدر في خليج يحله الاقيانوس في خضمه ؟ أو في الصحاري الرملية التي يمحي فيها هذا النهر ؟ أم تراه يكون في مبتداه وينبوعه ؟ ؟ ؟ أجل ، ان قدر نهر من الأنهار إنما هو منبعه ومنطلقه . هذا هو الموضوع الذي يمكن التأمل والتفكر فيه حين ننظر إلى المسيلات الجافة التي تعبر هضبة إيران المرتفعة . ان الماضي والمستقبل ، والحياة والموت ، ليست حين تكون مرتبطة

--> ( 1 ) راجع الحواشي ( 613 - 616 وفق ترقيمنا العام ) على البند 244 من حكمة الإشراق ( القسم الثاني ، الكتاب الخامس ، الفصل الثالث ، ص 229 من طبعتنا ، وص 509 فما بعد من طبعة طهران الحجرية ، 1313 ) وتحقيقناو تحقيقنا ressurection . le the mede الفصل الثالث lE monde del " imagination spirituelle et le corps de resurrection فليقارن بالجسم الهورقليائي في مدرسة الشيخية . راجع - Terre celeste . ( 2 ) فريد هوف شووان ، ص 39 ، الحاشيتين 2 و 1961 : . Frithjof Schwon " comrendre L " Islam Paris حول نظريات نايلارد دوشاردان Teilhard de Chardin . هذا الكاتب نفسه يضيف ان نظريات تايلارد دوشاردان هي « سقطة كان يمكن تداركها لو كان ثمة قدر ضئيل جدا من المعرفة العقلانية المستقيمة عن الحقائق المجردة البريئة من المادة » . ( 3 ) راجع الحاشية الطويلة جدا ذات الرقم 628 ( حسب ترقيمنا ، والصفحة 518 من طبعة طهران الحجرية ، 1315 ) على البند 247 من حكمة الإشراق التي يجب مقايستها على المتن الوارد في ص 272 - 273 من شرح أصول الكافي تحت عنوان « تحقيق عرشي وتمهيد مشرقي » .