حسن الأمين
199
مستدركات أعيان الشيعة
مبنى آثار ملا صدرا ان المؤلفات التي تجعل هذا المفكر العميق المثالي بحق ، حاضرا بيننا مستمرا في حياتنا ، جد عظيمة ، وقد بلغ مجموعها تقريبا حتى القرن الأخير أربعين مجلدا بطبع حجري ( 1 ) بعض هذه الكتب يشتمل على مائة صفحة ، وبعضها الآخر يضم مئات الأوراق ، أن جميع موضوعات الفلسفة الإسلامية قد بحثت في هذه الكتابات ، وأن بعض كتبه هي نتيجة بحوثه الشخصية الخالصة ، كما أن بعضا آخر منها تفاسير وشروح ، الا أنه يوسع دائرة الشرح والتفسير في هذه الكتب ويضمنها من الآراء والتفاصيل المبتكرة ما يقتضي أن نعدها أيضا في زمرة آثاره الخاصة . لقد شرح ملا صدرا رائعة ابن سينا « كتاب الشفاء » ، وشرح أهم آثار السهروردي « حكمة الإشراق » ( 2 ) ، وفي شرحه لكتاب « أصول الكافي » - أحد كتب الشيعة الأساسية والذي يضم تعاليم أئمة الشيعة ( ع ) ( 3 ) شرع ملا صدرا في وضع مجموعة واقعية لفلسفة شيعية ، الا ان الزمن لم يمهله للأسف حتى يتمها ( 4 ) كذلك كتب تفسيرا لعديد من سور القرآن الكريم ( 5 ) ، تحرى فيه المعنى الباطني والمعنوي أو العرفاني للآيات ، وهذا التفسير يمثل مع التفاسير الأخرى التي كتبها أسلافه وأخلافه ، منبعا أساسيا للتفكير الفلسفي الإسلامي في التفسير المعنوي للقرآن . وسنرى بعد قليل لم يجب أن يكون الوضع هكذا ، وبخاصة في التشيع . أما المجموعة التي ضمنها ملا صدرا ثمرة جهوده وتحقيقاته وتاملاته جميعا فكتاب شهير سماه « كتاب الأسفار الأربعة العقلية » ، وهو اثر نفيس ضخم يضم في طبعته الحجرية القديمة أكثر من ألف ورقة مطبوعة الوجهين ، وهذا السفر هو الذي ولد على الأكثر إعجاب المريدين والمفسرين وانفعالهم وحبهم . ان شروح هذا الكتاب تؤلف مجموعة مجللة عظيمة تبدأ بشروح اثنين من أشهر تلامذته المباشرين كانا في الوقت نفسه صهرين له أيضا ، هما ملا محسن فيض وعبد الرزاق اللاهيجي ، وتستمر جيلا بعد جيل حتى العصر الحاضر ( مجتازة في القرن الماضي ملا عبد الله وملا علي الزنوزي ، وحاجي ملا هادي السبزواري وسواهم ( 6 ) . وباختصار ، يجب القول إن التحقيق العميق في وضع الشيعة الفلسفي دون معرفة لآثار ملا صدرا وأفكاره ، أمر متعذر ، لأن لهذا الوضع من أوله إلى آخره ارتباطا بتفكير ملا صدرا . ترى ، أية إرادة عميقة كانت تحرك ملا صدرا طوال مدة حياته ؟ اننا نستطيع أن نجد علائمها في مقدمة كتابه الكبير ، تلك المجموعة التي تسمح لنا بان نقول أن ملا صدرا هو لإيران قديس توماها الأكويني لو كان القديس توما يستطيع في الوقت نفسه أن يكون عارفا وحكيما مثل ياكوب بوهمه ، إلا أن مثل هذا التركيب لا يمكن أن يتحقق إلا في إيران وحدها . ان عبارة ( الشيعي الجامع ) تعلن للفيلسوف الباعث على صراع معنوي في جبهتين ، الصراع الذي هو لأول وهلة مع نفسه ، ثم بالتالي صراعه مع القوى المظلمة لعالم خارجي عدو مناوئ . ولقد تحمل ملا صدرا الوجه الأول لهذا الصراع المعنوي في سنوات وحدته في قرية كهك ، وفي هذا الصراع كان الموضوع الرئيسي للغاية من حياة ملا صدرا الخاصة والتطور الذي سينتهي به اليه قدره ، واجتيازه التأمل النظري الفلسفي إلى اليقين التجريبي الذي يتذوقه العرفاء ، ففلسفة حقيقية واقعية لا يمكن أن تقوم ما لم يقم اتحاد بين هذين وما لم ينته التأمل النظري إلى يقين العارف . أن كل القصد من المعنوية الاشراقية لم يكن منذ عهد السهروردي إلا هذا فقط ، أما عند ملا صدرا - كما هو الحال عند أسلافه وعند اتباعه من بعده - فان هذا الاتحاد إنما يحدث بالفطرة في المعنوية الشيعية . ومن الأفضل أن ندرس هذا الموضوع بدقة أكثر . ان كلمة ( الإشراق ) التي كان لها في الفلسفة الإيرانية تاريخ عجيب ، استعملت في القرن الهجري السادس على يد السهروردي لبيان حكمة الإيرانيين القدامى التي كان يريد أن يحييها . ان الكلمة تعني جلال طلوع الشمس ، كما تعني في الوقت نفسه النور الذي يضيء الأسحار ، النور الذي تتلقاه الموجودات في تلك الدقائق من بياض الفجر . كذلك تعني هذه الكلمة منطلق هذا النور ومبدأه ، أي الشرق مكانا وزمانا . والآن يجب نقل هذه التصورات كلها إلى عالم ما وراء المحسوسات وأن نفسر المشرق بعالم النور والموجودات النورانية وضياء الفجر الذي يشرق من سلسلة العقول على نفوس الأفراد المبعدين في مغرب عالم الظلام . ان هذه الحكمة التي تنبع من مشرق الروح ، والتي سميت شرقية وفقا لهذه ( الجغرافيا العرفانية ) ليست فلسفة وليست علم إلهيات ( تيولوجي ) بالمفهوم الذي تستعمل فيه هاتان الكلمتان اليوم في الغرب حيث يرون فيهما طاقتين مختلفتين متمايزتين ، وحيث يتناولون بالبحث ما بينهما من رابطة ليمكن اتخاذ رأي ما لمصلحة أحدهما . ان هذه الحكمة المشرقية أو الاشراقية إنما هي حكمة إلهية ترادف بدقة الكلمة اليونانية تيوسوفيا Theosophia هذه الحكمة تقود أتباعها من علم الفلسفة الانتزاعي ، الذي هو العلم بواسطة الصور أو المفاهيم ، والذي هو العلم الصوري ، إلى المشاهدة المباشرة والاشراف الحضوري الذي يطلع من مشرق الروح . هذا العلم الذي ليس بعد صورا ، بل علم حضوري ، هو علم مشرقي ، لأنه إشراقي ، وعلم إشراقي لأنه مشرقي . هذا هو المعنى العرفاني لكلمتي مشرق ومشرقي حين يدور الحديث على حكمة الإشراق ، وهذه الحكمة هي التي عني زرادشت وحكماء إيران القدامى - كما يقول السهروردي - بتعليمها . ان كلمة « الإشراقيين » تقابل في اصطلاح اليوم « المشائيين » وترادف
--> ( 1 ) راجع فهرست المراجع التي ذكرها السيد جلال الدين الآشتياني في كتاب : ترجمة ملا صدرا وآراؤه الفلسفية ، ص 210 - 225 . ( 2 ) طبع شرحه في المجلد الثاني من الطبعة الحجرية لكتاب الشفاء ، طهران 1303 . 3 - لقد طبع في الجزء الثاني من منشورات « المعهد الفرنسي الإيراني » ، طهران 1331 ( 1952 م ) متنا منقحا من كتاب حكمة الإشراق . كما أن السيد جلال الدين الآشتياني يعمل الآن في تصحيح حاشية ملا صدرا . راجع بشأن هذه الحواشي مقالتنا : Le theme de la resurrection dans le Commentaire de Molla Sadra Shirazi sur la Theosophie Orientale de Sohrawardi Shaykh al - Ishrag ( 3 ) طبع السيد محمد خوندي مؤخرا كتاب الكليني الكبير طبعتين رصاصتين إحداهما تضم المتن العربي صرفا في ثمانية مجلدات ( طهران 1334 ش 1955 م ) والثانية تضم المتن العربي مع ترجمة فارسية وشرح بالفارسية بقلم آية الله محمد باقر كمره اي ظهر منها منذ 1340 ش ( 1961 م ) حتى الآن ( 1962 ) ثلاثة مجلدات . ( 4 ) أتيحت لملا صدرا الفرصة لأن يشرح كتاب العقل وكتاب التوحيد فقط وبداية كتاب الحجة ( الذي يضم تعاليم الأئمة بشأن مسألتي النبوة والإمامة ) ، ومع أنه لم يستطع أن يشرح أكثر من نحو العشر فقط من هذا الكتاب الأساسي في الفكر الشيعي ، فان الطبعة الحجرية التي نشرت في طهران من هذا الكتاب ، تضم أكثر من 450 ورقة مليئة الوجهين ( 5 ) طبعت مجموعة هذه التفاسير ضمن الطبعة الحجرية لتفسيره في شيراز سنة 1322 ( 1943 ) . ولا يمكن أن نفصل عن هذا التفسير كتابيه الأخيرين : مفاتيح الغيب ( الذي طبع مع شرح أصول الكافي ) واسرار الآيات ، وسنعود بعدا لهذين الكتابين . ( 6 ) كتب ستة أو سبعة شروح على ( المشاعر والحكمة العرشية ) ، وقد شرح حاجي ملا هادي السبزواري الشواهد الربوبية والأسفار بصورة مفصلة . راجع كذلك مقدمة السيد دانش بجوه على كسر الأصنام ، ص 23 فما بعد .