حسن الأمين

200

مستدركات أعيان الشيعة

« الافلاطونيين » أو « الافلاطونيين الحديثين » ، وتاريخ افلاطونيي إيران الإسلامية الحديثين هؤلاء طويل . ان هؤلاء الحكماء مرتبطون بتلك الأسرة التي يرتبط بها الافلاطونيون الحديثون في كل مكان وفي كل زمان . العلم الاشراقي أي العلم بتلك اللحظة التي يطلع فيها نور المشرق على الروح ، أو مبدأ الروح ، قبل ورودها على هذه النشأة الترابية ، هو التجربة التي حظي بها ملا صدرا في وحدته المهيبة في كهك . يقول في مقدمة كتابه الكبير ( الأسفار ص 8 ) : « حين بقيت مدة طويلة على هذا الحال من الاستتار والانزواء والخمول والاعتزال ، اشتعلت نفسي أثر المجاهدة الطويلة بالنور ، وفاض على قلبي نتيجة الرياضات الكثيرة التهاب قوي وأنوار ملكوتية ، وانحلت عقدة أسرار الجبروت ، وتبعتها الأنوار الأحدية . لقد أحاطت به الألطاف الإلهية ، ووقفت على أسرار ما كنت قد أدركتها بعد ، وانكشفت لي رموز لم يستطع أي برهان حتى الآن أن يكشفها لي ، بل إن ما كنت قد تعلمته عن طريق البرهان ، شاهدته الآن ورأيته عيانا مع زوائد وإضافات » ( يجب أن يلاحظ أن الطريقة التي اتخذت لبيان هذه التجزئة المعنوية ، تنطبق تماما على طريقة السهروردي ومير داماد ، وأن هذا التعيين اليقيني لا يستند إلى استدلال منطقي ، بل أن منشأه الحضور المباشر الذي يتذوق بصورة شخصية خاصة ، وفي بعض الموارد بالمشاهدة ) . ويتابع ملا صدرا ( ص 8 ) : « لقد انبسط عقلي باعتبار جوارحه الظاهرية وغدا ماء سيالا يفيض ، أما باعتبار باطن تعقلاته فقد انقبض لطلاب الحقيقة وصار بحرا مواجا . فصنفت عندئذ كتابا إلهيا للسالكين العاملين على تحصيل الكمال ، وجلوت الحكمة الربانية لطالبي أسرار حضرة ذي الجلال والإكرام » . ان هذا الكتاب هو مجموعة آثار ملا صدرا ، وقد سماه « الأسفار العقلية الأربعة » . ما ذا كان قصده من هذا العنوان ؟ لقد أوضح هو نفسه هذا الأمر في ختام مقدمة الكتاب . ان هذا العنوان مستمد من المصطلحات العرفانية الإسلامية المتداولة . فالسفر الأول يبدأ من عالم الخلق وينتهي إلى الحق ( من الخلق إلى الحق ) ، وفي هذا السفر يبحث تركيب الموجودات ، والطبيعيات ، والمادة والصورة والجوهر والعرض ، ويرتقي السالك إلى مرتبة عالم الحقائق الإلهية غير المحسوسة . وبناء على هذا فان السفر الثاني هو من الحق ( في الحق بالحق ) . وفي هذا السفر لا يبعد السالك عن مرحلة ما بعد الطبيعة ، بل يتعرف إلى علم الإلهيات والمسائل المتعلقة بالذات والأسماء والصفات الإلهية . أما السفر الثالث فهو رحلة فكرية ولكن في عكس السفر الأول ، أي أنه عودة من ( الحق إلى الخلق بالحق ) . ان هذا السفر يتتبع مراتب صدور الموجودات عن أنور الأنوار ، ويعرف السالك إلى العلم بمراتب العقول والعوالم الغيبية التي تحتل ما فوق عالم المحسوسات ، ويبحث في علم التكوين والملائكة . وأخيرا فالسفر يتم بواسطة الله في العالم المخلوق نفسه ( بالحق في الخلق ) ، ويدور حول معرفة النفس أو الضمير الداخلي ( العلم المشرقي ) وحول التوحيد بمعناه الباطني ، أي وحدة الوجود بمعنى ( من عرف نفسه فقد عرف ربه ) ، وكذلك حول مسألة المعاد ، أي جميع العوالم اللامتناهية التي تنكشف للإنسان بانفتاح باب الموت أمامه ( 1 ) انه لمن المستحيل أن يستطيع الإنسان في بضع كلمات أن يعرض أكثر من فكرة تصورية عامة عن هذه المجموعة التي أقام فيها ملا صدرا بناء مجللا للفكر الإيراني . اننا إذا أردنا أن نحكم عليه بعين المؤرخ ، فيجب بصورة عامة أن نقول دون شك أننا مع ملا صدرا أمام واحد من أتباع مدرسة ابن سينا . لقد كان يعرف آثار الشيخ الرئيس عن قرب ، وقد شرحها ، الا أن ملا صدرا هو في الوقت نفسه فيلسوف سينائي مع التفسير الاشراقي متأثر بأفكار السهروردي ، تأثرا لا ينعدم فيه فقط كل ما بين ابن سينا والسهروردي من فاصلة وبعد ، بل أن ملا صدرا نفسه تعبير مشخص عن الإلهيات الاشراقية . كذلك تأثر هذا الفيلسوف السينائي الاشراقي تأثرا عميقا بمعتقدات حكيم الأندلس الكبير ، والعارف الذي هو من أكبر عرفاء التاريخ كله ، محيي الدين بن عربي ( المتوفى 638 ) . وانه لمن الواجب في هذا الموضوع أن يجري في إيران تحقيق حول ما يمكن تسميته « التشيع السري » لابن عربي ، لأن في حل هذه المسألة أخيرا إمكان الوصول إلى مفتاح جميع الموضوعات . ان ملا صدرا هو أكثر من أي شيء مفكر شيعي متأثر تمام التأثر بتعاليم أئمة الشيعة ( ع ) ، ومؤمن بالإسلام بصورته التي تنطلق من هذا الأساس . لذا ، فإنه لمن العبث - مهما يكن الأمر مستساغا - أن نهتم بذكر « منابعه » إذا كان قصدنا أن نحل جميع المسائل عن هذا الطريق . أننا نستطيع أن نسجل على ورقة كل الأقوال المرددة والإشارات والصور وكل ما نسميه « المنابع » ، الا أن حاصل هذه الأوراق جميعا لن يكون قط ملا صدرا لو لم يكن هناك قبل كل شيء « ملا صدرا » ينظم هذه « المنابع » في بناء ليس سواه من يستطيع أن يقيمه ويعليه . ان محور هذا البناء هو عقائد أئمة الشيعة ( ع ) كما هو الحال في « أصول الكافي » للكليني ، ومن هنا أن ملا صدرا ينتقل إلى صراعه المعنوي الآخر ، الصراع ضد اللاادرين المتقدسين والقشريين وأولئك الذين كان لهم من الدين تعبير ظاهري فقط . ان نوايا ملا صدرا ومقاصده الصريحة عون على فهم الوضع الفلسفي للتشيع ، وكذلك على ادراك أهمية آثار ملا صدرا في الفكر الشيعي في الأيام السالفة وفي العهد الحاضر . ومهما يكن هذا الموضوع مبحوثا بصورة سريعة ، فإنه يبين لنا أن الفلسفة والمعنوية الاسلاميتين ليستا محدودتين بتلك الفئات الثلاث فقط التي تملأ اليوم الفصل الذي تخصصه تواريخ الفلسفة في العالم الغربي للفلسفة الإسلامية ، أعني تلك الفئة التي أطلقوا عليها اسم الفلاسفة مستمدين اسمهم من سلوكهم اليوناني ، والمتكلمين الذين هم جدليوا علم الكلام من السنة ، وأخيرا المتصوفة . أننا نعلم الآن انه كانت ثمة مدرسات أخرى ، ونستطيع بصورة خاصة أن نقدر لم أحييت الفلسفة بصورة مجللة رفيعة في إيران والعالم الشيعي خلال العهد الصوفي ، بينما يسود الاعتقاد كل مكان في العالم الإسلامي أن التطور الفلسفي انتهى مع ابن رشد في القرن الهجري السادس . ان محققا يوفق إلى أن يجد طريقا إلى قلب الفكر الشيعي سينكشف أمام عينيه أفق جديد ، أفق لا شك في أن طرح مسألة وضع الفلسفة في الإسلام وارتباط الفلسفة بالمعتقدات الإسلامية خارج نطاقه وبمعزل عنه ، خطا فادح . الا ان الوضع المعقد المحزن الذي واجهه ملا صدرا وكثير من المفكرين قبله وبعده - كالسيد حيدر الآملي مثلا الذي كان يعيش قبله بثلاثة قرون - هو أن هؤلاء المفكرين كانوا عرضة للحملات والتهم من قبل أشخاص كانوا يسمون مثلهم شيعة . ان هذا الوضع المؤسف الذي كان السبب الأصلي لأن ينفي ملا صدرا نفسه نفيا اختياريا في كهك بعيدا عن القيل والقال وعن تهم المتعصبين القشريين ، قد خلف أثره الملئ بالألم في كل مؤلفاته وآثاره . انه مثلا في

--> ( 1 ) الأسفار طبعة العلامة الطباطبائي ، المجلد الأول ص 13 فما بعد ، مع تحقيق حاجي ملا هادي السبزواري الوارد في حواشي الصفحات 13 حتى 18 .