حسن الأمين
170
مستدركات أعيان الشيعة
عمرو بن العاص - حسب رواية الزهري - إلى محاولة إخراجه من مصر بالقوة ، قيل أن يلجا إلى الإيقاع به ، وإفساد ماله من ثقة لدى الخليفة ، متوجها إلى « أهل الشام » - حسب الرواية السابقة - بقوله : لا تسبوا قيس بن سعد ولا تدعوا إلى غزوه ، فإنه لنا شيعة يأتينا كيس نصيحته سرا . . ألا ترون ما يفعل بإخوانكم الذين عنده من أهل خربتا ، يجري عليهم أعطياتهم وأرزاقهم ويؤمن سربهم ويحسن إلى كل راكب قدم عليه منكم لا يستنكرونه في شيء « . ولم تلبث هذه الأخبار أن تسربت إلى » أهل العراق « ، واستوقفت عليا ( ع ) وأركانه مسألة خربتا وما أثارت من الشك لديهم ، لا سيما بعد رفض قيس محاربة أهلها ، الذي وصفهم بأسود العرب . ولا ينفك مؤثرا على السلام ، برغم إصرار الخليفة في المقابل على موقفه ، تاركا له حسن الأمر بالعزل إذا كان لديه ما يريبه في هذه المسألة . عزله وقد عزله الخليفة بالفعل ، ولكن دون أن يتخلى عن ثقته به أو يخامره الشك بولائه المخلص ، حيث عبر عن ذلك لمقربين منه : « إني والله ما أصدق بهذا على قيس ، حسب رواية أبي مخنف الذي يرتاب في موقف عبد الله بن جعفر مستشار علي ( ع ) في هذه المسألة ، حيث كان في نفسه على ما يبدو شيء ما على قيس ، مشجعا الخليفة على عزله وتعيين أخيه لأمه محمد بن أبي بكر مكانه . ولا تنفي إحدى الروايات ما كان محبوكا لدى بعض خواص الخليفة لابعاد قيس عن منصبه الهام ، في وقت كانت القلوب مشحونة والنفوس متربصة ، مع اقتراب ساعات الحرب التي اندلعت بعيد ذلك . ولم يكن أولئك الذين عاشوا مع الخليفة لحضات المعركة أو في ساحتها القريبة ، يرون ما يراه قيس في ولايته التي انطوت على موقف متارجح في الصراع بين الشام والعراق ، دون أن يكون لعصبيتها اسهام بارز في الفرز القبلي الذي حدد مواقع الأطراف في ذلك الحين . فقد كان لتكوينها الجغرافي الذي انعكس على الوضع السكاني فيها ، تأثير في ضعف التماسك بين قبائلها التي لم تشكل وحدات كبيرة شان الشام والعراق ، وإنما كانت في الغالب امتدادا للتشكيلات القبلية الشامية ، مما سهل السيطرة الأموية عليها في وقت لاحق . ولعل هذه المسألة كانت ببال قيس بن سعد الذي استمد قوته من الشرعية الجديدة وبعد نظره في السياسة ، وليس من العصبيات التي كانت ضعيفة وغير قادرة على تكتيل نفسها في هذا الاتجاه أو ذاك . ومن هذا المنظور ، نزع قيس إلى السلم أكثر من الحرب ، بغية الدخول إلى قلوب الناس وعقولهم ، في ولاية ما زالت تعيش على هامش الصراع السياسي ، مسوغا ذلك في رسالة إلى الخليفة : « فاني أخبر أمير المؤمنين أكرمه الله إن قبلي رجالا معتزلين قد سألوني أن أكف عنهم وأن أدعهم على حالهم حتى يستقيم أمر الناس فنرى ويروا رأيهم . فقد رأيت أن أكف عنهم وألا أتعجل حربهم وأن أتالفهم فيما بين ذلك . لعل الله عز وجل أن يقبل قلوبهم ويفرقهم عن ضلالتهم إن شاء الله » . والواقع أن الخليفة لم يكن متسرعا في عزل واليه المقرب ، برغم إلحاح مستشاريه على ذلك ، وإنما كان على ما يبدو غير موافق على نظرية صاحبه بالكف عن تلك البؤرة التي يتجمع فيها أنصار « الحزب » الأموي المناوئ لعهده . ولكن قيسا تشبث بموقفه ، مدافعا عن وجهة نظره في آخر رسالة قبل عزله إلى الخليفة : « فقد عجبت لأمرك ! أتامر بقتال قوم كافين عنك مفرغيك لقتال عدوك ! ! وإنك متى حاربتهم ساعدوا عليك عدوك ، فأطعني يا أمير المؤمنين ، واكفف عنهم ، فان الرأي تركهم والسلام » . بيد أنه - أي قيس - يواجه مرة أخرى حملة في صفوفه ، شبيهة بتلك التي حبكتها أجهزة معاوية ، مشككة بولائه لعلي ( ع ) ، حيث كان عبد الله بن جعفر - استنادا إلى رواية الزهري - لا ينفك محرضا على عزله ، ناسبا اليه كلاما جاء فيه : « إن سلطانا لا يتم الا بقتل مسلمة بن مخلد ، لسلطان سوء » . وهكذا انتهى ذلك الجدل حول قضية ( خربتا ) ، بعزل قيس الذي كان يدرك في قراراته أن ثمة من حاول إفساد العلاقة بينه وبين الخليفة ، مسرا بهذا الشعور إلى محمد بن أبي بكر بعيد وصوله إلى مصر ، إذ قال له فيما يرويه أبو مخنف : « ما بال أمير المؤمنين ، ما غيره ، أدخل أحد بيني وبينه ؟ » ، فقال له : « لا وهذا السلطان سلطانك » ، معقبا قيس بقوله : « والله لا أقيم ساعة واحدة » . ولعل الخليفة بلغ في التريث حدا ، أنه أرسل أحد أركانه الثلاثة ( 1 ) للاطلاع عن كثب على الوضع في مصر ، ومن ثم إقناع قيس بوجهة نظر الخلافة . ويمكن من هذا المنظور تفسير إيفاد الأشتر - إن صحت الرواية التاريخية - قبيل ذلك للغاية نفسها ، في وقت كان يصعب فيه الاستغناء عنه ، فضلا عن محمد بن أبي بكر ، حيث الدولة تجتاز أدق مراحلها وأكثرها خطورة . وإذا كان تعيين محمد بن أبي بكر خلفا لقيس ، ما ترجحه الروايات التاريخية ، فان تعيين الأشتر لا يخلو من الالتباس ، لا سيما وأنه رافق عليا ( ع ) طوال حروب صفين حتى انتهائها بالتحكيم ، الذي كان له رأي فيه ، فضلا عن رغبة علي بان يكون الأشتر ممثله في الاجتماع التمهيدي للتحكيم في دومة الجندل ، ولعل ما يعنيه ذلك أن الأشتر لم يذهب خلفا لقيس ، وإنما الراجح أن محمد بن أبي بكر هو الذي تولى هذا المنصب ، وانتهى إلى الوقوع فيما تفاداه سلفه من محاربة أهل « خربتا » ، حيث أدى ذلك إلى تدخل مباشر من الشام ، أسفر عن سقوط مصر ومقتل الوالي بطريقة وحشية . ويبدو أن الخليفة انتدب الأشتر حين ذاك للقيام بمهمة في مصر ، بعد اشتداد الضغط على واليه ، للحئول دون سقوطها بيد عمرو بن العاص ، أو لاستعادتها بعيد سقوطها ، حيث قتل بدوره في عملية مدبرة قبل وصوله . الولاء المطلق لعلي ( ع ) على أن ما يبقى خارج الالتباس ، هو الولاء المخلص الذي لم يتخل عنه قيس للخليفة ، حتى بعد عزله وانصرافه معتكفا إلى المدينة ، غير عابئ ب « شماتة » خصمه « العثماني » حسان بن ثابت الأنصاري ، أو أن يكون خارج السلطة وموضع الشك من صاحبه . فهو لا يلبث ان يضيق به المقام في المدينة التي كانت تعج بالخصوم ، وفي مقدمتهم مروان بن الحكم ، ويبادر إلى الالتحاق بعلي ( ع ) مقاتلا تحت رايته في صفين ، ومزيلا ما بقي من حفيظة في نفسه ، حين أدرك - أي الخليفة - بان صاحبه « كان يقاسي أمورا عظاما من المكايدة وأن من كان يهزه على عزل قيس بن سعد لم ينصح له ، فأطاع علي قيس بن سعد في الأمر كله » حسب رواية الزهري . وهكذا يثبت قيس جذريته الصافية التي لم تهزها العواصف أو تفعل بها المكايد والمغريات ، منتقلا إلى موقع أكثر خطورة كان بانتظاره في صفين التي التهبت ساحتها بحرب طاحنة ، دفعت بالدولة إلى الانقسام وبالمسلمين إلى التمزق . وفي تلك المواقف تتجلى صفات الرجال الأقوياء بايمانهم العميق ، والتزامهم الذي لا تؤثر فيها زعازع الأيام وتبدلات الزمن ، على أن قوة قيس لم تكن في صفاته فقط ، وإنما كانت أيضا في قوته السياسية ، كزعيم لقوم نزلوا بثقلهم في صفين ، مترادفا اسمه مع الأنصار في هذه الجبهة ، التي كان أحد قادتها البارزين ، حيث تشير إحدى الروايات إلى ذلك في معرض الرد على النعمان بن بشير قائلا له بحزم : « فلو اجتمعت العرب على بيعته - أي معاوية - لقاتلتهم الأنصار » . وإذا توقفنا عند تشكيل القيادة في الجبهة العراقية ، سنجد قيسا - حسب رواية أبى محنف - أحد تسعة ( 2 ) من القادة كانوا يشنون غارات
--> ( 1 ) الأشتر ، محمد بن أبي بكر ، قيس بن سعد . ( 2 ) الأشتر ، وحجر بن عدي وشبث بن ربعي وخالد بن المعمر وزياد بن النضر وزياد بن خصفة وسعيد بن قيس ومعقل بن قيس وقيس بن سعد . الطبري ج 5 ، ص 243 .