حسن الأمين
171
مستدركات أعيان الشيعة
متوالية على معسكر معاوية ، وفي موقعه ثانية ، تتشكل القيادة - حسب أبي مخنف أيضا - من الأشتر على خيل الكوفة وعمار بن ياسر على رجالتها وسهل بن حنيف الأنصاري على خيل البصرة وقيس بن سعد وهاشم بن عتبة بن أبي وقاص ومسعد بن مذكي التميمي على قرائها ، أي أن قيسا كان يقاتل خارج التشكيلة القبلية التي سادت في صفين ، ويتخذ موقعه حيث تدعو الحاجة ، وترتئي القيادة العليا . وفي موقفه ثالثة - حسب مروية ابن الأثير - يتولى علي القلب وعلى الميمنة عبد الله بن بديل الخزاعي وعلى الميسرة عبد الله بن عباس ، بينما يقاتل القراء مع ثلاثة هم : عمار بن ياسر وقيس بن سعد وعبد الله بن بديل . فهو حاضر دائما في قلب المعركة وخائض غمارها في هذا الموقع أو ذاك ، وهو قائد مبرز سواء قاتل بقومه الذين كان صاحب رايتهم منذ عهد النبي ( ص ) ، أو قاتل بغيرهم من القبائل المشاركة في هذه الحرب . وإذا كان انتماء قيس لجيل المخضرمين أكثر من انتمائه لجيل الرواد في الإسلام الأول ، فان جذريته لم تقل عن جذرية هؤلاء ، بل كان أكثر حدة وصفاء من كثيرين منهم . بالإضافة إلى ذلك فان ما تميز به من إصرار على مواقفه وتمسك بقناعاته ، أكسب دوره في صفين دينامية وضعته في تيار الحرب ، الأكثر تعبيرا عن الجذرية ، وفي مواجهته تيار السلم أو الاستسلام للواقع ، بما يعنيه ذلك من خيانة للمبدإ وتهاون في العقيدة واندحار للقضية . وقد ظل قيس إلى جانب الأشتر النخعي ، مقاتلا صارما في صفين ، ومدافعا صلبا عن الشرعية المقترنة لديه بالإسلام ، دون أن يعني ذلك الانتقاص من دور القادة الآخرين أو بعضهم ، الذين قاتلوا أو استشهدوا في سبيل هذه القضية ، ولكن قيسا وصاحبه ، كانت لهما تلك الدينامية التي جعلت من حضورهما أمرا غير عادي في أحداث تلك المرحلة - المنعطف في تاريخ الإسلام . موقف قيس من التحكيم ومن هذا المنظور ، كان قيس ، شان الأشتر ، مقاوما الدعوة إلى التحكيم ومنكرا لها ، حيث وصفتهما إحدى المرويات بأنهما « كانا أشد الناس على علي فيها قولا » . وقد ارتاب كلاهما بهذه الدعوة ، في وقت « ظهروا على أصحاب معاوية ظهورا شديدا » ، حسب قول اليعقوبي . ومن ناحية أخرى ، فان الأشتر الذي ترافق بروزه السياسي ، مع الريادة لحركة المعارضة التي واجهت الخليفة عثمان بدءا من الكوفة وانتهاء بالمدينة ، وكان المجلي في هجماته المظفرة على مواقع « أهل الشام » ، لا سيما التي سبقت الدعوة إلى التحكيم ، كما أن قيسا الذي وجد فيه معاوية خصما قويا لم تنجح معه السبل لتحويله عن موقعه ، سواء تلك التي بذلها إبان ولايته على مصر أو تلك التي بذلها في غمرة المعركة ، عبر قريب قيس وحليف معاوية الأنصاري ، النعمان بن بشير ، كما سبقت الإشارة « . . فان كلاهما الأشتر وقيس - بعد أن بلغ هذا الشوط في مقاومة الخط الذي يقوده معاوية ، فإنهما لم يرفضا التحكيم من منطلق مبدئي فقط ، بل من منطلق واقعي أيضا ، حيث الخيار الوحيد لكليهما ، استمرار القتال ، حتى جلاء الأمور بالنصر أو بالهزيمة . وقد جرى التحكيم عبر مرحلتين : الأولى تمهيدية في دومة الجندل والثانية والأخيرة في أذرع ، وذلك في ظل أجواء كانت المساومة طاغية فيها ، مما تعارض في الجوهر مع الجذرين من أصحاب علي ( ع ) الذين وقعوا رغما عنهم في شرك المساومين في جبهتهم ، وما جره عليهم ذلك من تراجع إثر آخر . ولكن الحقيقة المفجعة التي واجهت هؤلاء هي ضعف التماسك في صفوفهم وبداية الانهيار في الجبهة العراقية ، سرعان ما أماط التحكيم الغطاء الرقيق عنها . وتصاعدت الفجيعة ، بسقوط الرموز من أصحاب علي ( ع ) ، مثل عمار بن ياسر وهاشم بن عتبة والأشتر النخعي ، لا سيما الأخير الذي ترك غيابه فراغا لم يكن بالإمكان تعويضه ، بحيث نستطيع القول أنه تزامن أو كاد مع نهاية الحرب وإعلان الهدنة المقنعة . مشاركته في حرب الخوارج ولكن الفجيعة الكبرى ، كانت في تصدع الجبهة وخروج فريق منها احتجاجا على التحكيم ، حيث اقترن الفعل بالاسم ، الذي عرفوا به وهو الخوارج . ولعله من المثير أن الحركة التي تمت مباشرة في إطار الاحتجاج على التحكيم ، ولم تكن في مضمونها نابعة من الخط الجذري المتمسك بالحرب ، كما زعمت في حيثيات خروجها الأول ، بقدر ما كانت لها أسبابها الاجتماعية والاقتصادية ، حيث كان تمردها عزوفا ، ولكن بأسلوب آخر ، عن الحرب ، التي كان من الصعب أن تتوقف لولا التصدع الذي أحدثته في هذه الجبهة . وفي مقدمة ما يعنيه هذا الأمر ، أو واقعا جديدا ، كان على علي ( ع ) وأصحابه مواجهته في ذلك الوقت ، توقفت في ظله الحرب الأساسية مع معاوية ، واندلعت حروب جانبية ضد هؤلاء الخوارج ، الذين تعمقت الجراح بينهم وبين علي ( ع ) ، على نحو لم يعد ممكنا تضميدها أو رأب الصدع الذي أحدثته في الجبهة العراقية المتراجعة . وقد بذل علي ( ع ) جهوده القصوى لمنع هذا الواقع المستجد ، ولكن الخوارج كانوا قد اتخذوا قرارهم ، ليس بالافتراق عنه فقط ، بل في تشكيل حركة مستقلة في المفهوم والرؤية والممارسة ، مما أدى إلى وضع الطرفين أمام خيار الحرب الذي حمل الكارثة للجبهة العراقية . ومن هذا المنظور ، لم تعد هذه الحركة معنية بجوهر المسألة الأساسية ، بعد افتقاد مصداقيتها في أعقاب فشل التحكيم والعودة إلى خيار القتال ، الذي سبق أن تمسكت به واحتجت على إيقافه ، كاشفة فراغ شعاراتها التي تهاوت أمام إحراجهم الدعوة إلى قتال العدو المشترك ، وإزاء رفضهم تسليم قتلة الصحابي عبد الله بن خباب وامرأته وغيرهما من أصحاب علي ( ع ) . فقد كان ذلك نذيرا بانفجار الجبهة العراقية من الداخل ، وشحنها بالتوتر الذي عبر عنه الخوارج في معرض الرد على علي ( ع ) : « كلنا قتلهم وكلنا مستحل لدمائكم ودمائهم » ، حسب الرواية التاريخية . وهكذا خرج علي ( ع ) لقتالهم من الأنبار ، متخذا موقعه في قلب الجيش ، بينما انعقدت الميمنة لحجر بن عدي والميسرة لشبث بن ربعي ، وقيادة الخيل لأبي أيوب الأنصاري والرجالة لأبي قتادة الأنصاري ، وأهل المدينة « وهم ثمانمائة رجل من الصحابة » لقيس بن سعد ، وكان الأخير سباقا في المسير إلى معسكرهم في النهروان ، متخذا طريق المدائن التي حل فيها وقتا بانتظار أوامر الخليفة ، قبل أن يستأنف السير إليهم ومعه عاملها سعد بن مسعود الثقفي ، وذلك حسب رواية أبي مخنف ، في حين يجعل الدينوري وصوله إلى النهروان مع أبي أيوب الأنصاري . ولكن قيسا في كلتا الروايتين يتقدم على صاحبه مبادرا إلى محاورة الخوارج بأسلوب يتجلى فيه الاتزان بمثل ما تتجلى المسؤولية ، كما نسب اليه في رواية أبي مخنف : « عباد الله أخرجوا إلينا طلبتنا منكم وادخلوا في هذا الأمر الذي خرجتم منه وعودوا إلى قتال عدونا وعدوكم ، فإنكم ركبتم عظيما من الأمر . . نشدتكم بالله في أنفسكم أن لا تهلكوها فاني لأرى الفتنة قد غلبت عليكم » . بيد أن هذا النداء لم يلق آذانا صاغية لدى الخوارج ، وفشلت محاولة ردهم عن موقفهم ، شان المحاولات السابقة التي جرت منذ اعتصامهم في حروراء حتى انحيازهم إلى النهروان ، حيث شهدت الأخيرة معركة طاحنة بين حلفاء الأمس ، القريب انتهت بانتصار الخليفة ولكن دون وضع النهاية الحاسمة للخوارج ، الذين استعادوا تنظيم أنفسهم بعيد وقت قصير ، مشهرين راية العصيان والثورة ضد معاوية وخلفائه في الدولة الأموية . ولعل