حسن الأمين

166

مستدركات أعيان الشيعة

هذه الدراسة مكتوبة بقلم الدكتور إبراهيم بيضون : عرف القرن الهجري الأول ، أكثر من رعيل من الجذرين الذين تغلبت المباديء في نفوسهم على المصالح واندرجوا في الطريق الصعب ، من غير فتور في العزيمة أو وهن في السير أو رضوخ لمتغيرات الزمن ، لم يكن هؤلاء في السلطة معا أو في المعارضة معا ، ولكن قضية أساسية هي الإسلام ، جعلتهم معا في نفس الجبهة ، مجاهدين بالقرار أو بالسيف أو بالكلمة . . أو بالصمت ، عندما تصبح المواجهة أكثر خطورة من المهادنة على وحدة المجتمع ، التي تبقى في مستوى القضية ، بل أكثر أهمية لدى هؤلاء الجذرين ، فينكفئوا حين ذاك إلى الظل ، في الوقت الذي يتقدم فيه الانتهازيون ، وربما الأقل جذرية ، إلى مواقعهم الجديدة في اللحظة المناسبة . وإذا كان بعضهم قد أنصفه المجتمع والتاريخ ، فحظي في المعارضة بما يفوق أي ثمن في الحكم ، حيث يأتي في الطليعة الحسين بن علي ( ع ) في ثورته الرائدة على الظلم والانحراف ، فان ثمة البعض الكثير ، قد غيبه النسيان وسقط من الذاكرة أو ابتعد عنها ، حيث التاريخ يبهره أيضا الضوء ويسترسل أحيانا في الإنصات للجلبة والضجيج ينبعثان من القصور ومواكب الأمراء والكبراء . وفي مقدمة الرعيل الأول من الجذرين ، يأتي علي بن أبي طالب ( ع ) ، ومعه آخرون من الصحابة ، ربما كان أكثرهم تمثيلا لهذه الجذرية ، أبو ذر الغفاري وعمار بن ياسر . فقد جمع بين هؤلاء ، على تفاوت ظروفهم واختلاف مواقعهم ، الولاء النقي للعقيدة والإخلاص للمبدإ حتى الشهادة التي توجت جهادهم في سبيل المجتمع النموذج ، الذي أرست دعائمه دولة النبي ( ص ) في المدينة . هكذا سقط الإمام علي الأكثر « شدة » ( 1 ) كما وصفه الخليفة السابق ، دون أن تكون شخصيته مستهدفة في الاغتيال فحسب ولكن الدولة - النموذج كانت مستهدفة في الصميم حيث سقط في المسجد لما يمثله من رموز ، هي نفسها رموز المجتمع الجديد ، ومن قيم دينية وسياسية واجتماعية ، اغتيلت أيضا في مسجد الكوفة . وعلى هذا الطريق أيضا ، يسقط الغفاري ، ولكن دون ثورته التي فجرها في ضمير الأمة ، عندما أطلق صرخته ، وهي كل سلاحه ، ضد الظلم والتخمة والتضليل ، أطلقها على مسمع الخلافة « العاجزة » في المدينة ، وفي وجه « شرطتها » القامعة في الشام ، لينتهي « شهيدا » في المنفي الموحش ، وفيا للمبدإ الذي تلقاه صافيا من قبضة الرسول . . وهكذا أيضا على ذات الطريق يسقط عمار بن ياسر . ، على يد « الفئة الباغية » ، متخذا وجهة سلفه الغفاري ، إلى حيث الحرية قنديل العابرين إلى الفجر . . يسقط عمار مجاهدا من أجل المبدأ ، عازفا عن المنصب إلى الشهادة ، بكل ما يعنيه ذلك من وفاء ونقاء والتزام . لم يكن هؤلاء الكبار من الرعيل الأول في الإسلام ، سوى نماذج للجذرية التي انطوى عليها كثيرون من هذا الرعيل ، ولكنهم كانوا في موقع القيادة أو الريادة ، مما أكسب أسماءهم لمعانا في التاريخ ، لم تحظ به أسماء أخرى قبعت في الظل أو في زوايا الصمت . على أن الجذرية خفتت بعد سقوط العهد الراشدي ، عندما حسمت « الحرب الأهلية » للمرة الأولى الوضع الشاذ أو غير المستقر ، الذي ترافق مع الانتصار دون الهزيمة ، حيث انتهت الحرب بانتصار تيار وهزيمة آخر ، مكرسا ذلك سقوط نظام وقيام آخر ، وبالتالي صعود « قيم » واندحار قيم سادت لحين قصير ، تبدأ بالعدالة والمساواة والحرية ، ولا تنتهي بالشورى التي كان سقوطها علنيا وفي وضح النهار . ولم يكن غريبا أن تعج الطرق بمواكب الزاحفين تباعا إلى مراكز النفوذ الجديدة ، بعضهم يسبق بعض ، ولكنهم في النهاية وصلوا جميعا على تفاوت خلفياتهم ، حيث السلطة كانت سبيلهم إلى تحقيق الذات . والقلة فقط ، لم تكن مأخوذة بالبريق يخطف الأنظار ، مؤثرة التصدي بالموقف والمقاومة بالكلمة ، أو بالشهادة عندما يصبح للكلمة حد جارح كالسيف ، أو يصبح السيف الحد القاطع بين الاثنين . . . هكذا يسقط من أجل المبدأ ، دون ثمة مساومة أو مهادنة ، كبار آخرون من الرعيل المخضرم أو الثاني ، من أبرزهم حجر بن عدي الكندي وسليمان بن صرد الخزاعي ومالك بن الحارث النخعي ( الأشتر ) ، فضلا عن المطرف بن المغيرة بن شعبة ، بفرادته كثائر من داخل السلطة على السلطة ، بعد ما هاله اشتداد الطغيان واستفحال الظلم ، وكذلك إبراهيم بن الأشتر ، بوقفته الناصعة ، رافضا المساومة على « الفرات وما سقى » مقابل التخلي عن موقفه . ولن يفوتنا في هذا السياق ، التوقف عند نموذج آخر من الرعيل الثالث الجذري ، الذي كان أكثر تمثيلا له الحارث بن سريح التميمي ( 2 ) ، متماهيا ربما بالمصادفة مع سلفه المطرف ، حين رفض المضي في مطاردة الثائرين على الحكم الأموي ، بعد اكتشافه الظلم المحيق بهم ، واقتناعه بعدالة مطلبهم في العيش بحرية وكرامة . فيرتد الحارث من قائد للدولة الأموية إلى ثائر عليها ، ويخوض حركة اتخذت فرادتها ، بل ريادتها في ذلك الحين ، عندما ضوت تحت رايتها من العرب والفرس والترك ، تجمعهم العقيدة ويوحدهم المبدأ وتشدهم قضية أساسية ، هي الإسلام ، الذي آمن به الحارث خارجا من العصبيات القلبية والعنصرية والفئوية . . . ذلك الموروث التي تركه الحارث وأصحابه في الأرض ، التي كانت حين ذاك تضطرب بالثورة ، واستلهمه من دون ريب دعاة الحركة العباسية الأوائل ، واقتبسوا منه شعاراتهم المضيئة ، قبل أن تحترق على أرض الواقع بعد إعلان الدولة الجديدة . على أن الجذرية قد لا تذهب بأصحابها أحيانا إلى الثورة أو الشهادة ، حيث تتلاشى الوسائل إلى مثل ذلك ، وإنما يكون الخروج الطوعي من الضوء ، ما يماثلهما من الجذرية والنقاء والجرأة . ولعل النموذج الذي يستوقفنا في هذا السياق ، هو قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري الذي « صاحب » النبي في أول عهده بالمدينة ، كما صاحب عليا ( ع ) في الدفاع المستميت عن الخلافة الراشدية ، وكان آخر المقاومين لاسقاطها في عهد الحسن ( ع ) واقعا عليه عبء هذا الموقف الصارم بعد ذلك ، ومنزويا في بيته بالمدينة يعاني القهر والحرمان و « شماتة » الأقربين . ( 3 ) الذين تداركوا الطريق الصعب في المراحل الأولى منه . ينتمي قيس بن سعد إلى الخزرج وهي إحدى قبيلتين إلى جانب الأوس ، تألف منهما الأنصار في المدينة ( يثرب ) . وقد انتقلت اليه زعامة قومه في الإسلام ، بعد وفاة أبيه سعد بن عبادة ، بصورة غامضة في الشام ( حوران ) ( 4 ) ، وان كانت تعتبر من محصلات « السقيفة » التي اتخذ من بيعتها موقفا رافضا ، حيث طرح نفسه ، حين ذاك مرشحا غير اجماعي للأنصار ، واضطر إلى التخلي عن قراره ، ولكن دون الرضوخ للنتائج التي انتهى إليها الأمر . بانتخاب أبي بكر أول خليفة للمسلمين .

--> ( 1 ) راجع القول المنسوب لعمر عندما سألوه أن يولي عليا : « يحملكم على طريقة هي الحق » الماوردي ، الأحكام السلطانية ص 13 . المطبعة المحمودية - القاهرة ( د . ت ) . ( 2 ) ثار الحارث في خراسان وبلاد ما وراء النهر بين عامي 116 - 128 ه‍ . ( 3 ) حسان بن ثابت . ( 4 ) توفي سنة ست عشرة .