حسن الأمين
167
مستدركات أعيان الشيعة
ولا شك أن الخزرج كان لهم دور كبير في التطورات الهامة التي تتوجت بالهجرة إلى يثرب ، وبعد معاناة مر بها النبي ( ص ) وأصحابه في مكة ، التي كان من العسير على أي موقع حضري في الحجاز - باستثناء يثرب - منافستها أو تحديها في أمر كذلك ، حيث التكوين الاجتماعي التعددي - إذا جاز التعبير - جعلها عرضة للصراعات المستمرة سواء الصراع العربي - اليهودي ، بعد تكتل بني النضير وقريظة ضد العرب ، أم العربي - العربي ، الذي كان آخر وجوهه الدامية « يوم [ بعات ] بعاث » ، مؤديا ذلك ، سواء الضغط اليهودي على العرب ، أم اقتتال هؤلاء فيما بينهم وعلى مرأى الحواضر والقبائل العربية الأخرى في الحجاز ، لا سيما قريش التي اشترطت عليهم - أي الأوس والخزرج - « شروطا لم يقنعوا بها » ، إلى اتخاذ القرار الكبير الذي أخرج القبيلتين من العزلة ورفع عنهم نير الاقتتال الداخلي ، فضلا عن كسر المعادلة الحجازية وانعكاس نتائجها السلبية السريعة على مكة . هكذا إذن أتيح للأوس والخزرج - لا سيما القبيلة الأخيرة ، التي كان لها حضورها الطاغي في بيعتي العقبة اللتين مهدتا إلى الهجرة - دخول التاريخ من أوسع أبوابه ، حيث كانت لهم اليد الطولي في إرساء دعائم المجتمع الجديد وقيام الدولة الأولى في ظل الإسلام . وإذا كان المهاجرون الذين رافقوا النبي المرحلة المكية الصعبة ، يمثلون الطليعة في نصرة الدعوة ، فان الأوس والخزرج [ الذين ] اللذين اكتسبوا بعد الهجرة اسم الأنصار ، تعبيرا عن موقفهم التاريخي في تأييد الدعوة واحتضانها ، كانوا يمثلون هذه الطليعة النقية أيضا ، حيث يتجلى ذلك في العديد من المواقف ، بدءا بالمؤاخاة المخلصة مع المهاجرين ، و [ الانصهار ] الأنصار في المجتمع والدفاع عن الدولة ، إلى آخر المواقف التي تجلى فيها نكران الذات ، والولاء المطلق لهذا المجتمع . وكان من الطبيعي ان تشهد الدولة الجديدة ، صراعات سياسية ، تتسع دائرتها أو تضيق ، بين الأنصار وبعض المهاجرين الذين استمدوا قوتهم من الانتماء لقريش ، بما في ذلك من قوة معنوية ، مرتبطة بالنبي ( ص ) « القرشي » ، أو ما يمكن أن يحدثه ذلك من تعزيز للزعامة القرشية في الحجاز من منظور قبلي أو قريب منه ، فضلا عن أسبقية هؤلاء في الإسلام ، والموقع الذي كان لبعضهم قبله ، مما جعل الكثيرين منهم غير قادرين على التخلص من نزعة « التفوق » على الأنصار التي كان مقدرا لها أن تثير صراعات أكثر خطورة ، لولا تدارك النبي ( ص ) لها ، في احتضانه للأنصار وكبح المهاجرين ، مكرسا في عبارته الشهيرة « لو سلكت الأنصار واديا أو شعبا لسلكت وادي الأنصار أو شعبهم » . ولكن النبي ( ص ) برغم التوازن الذي حرص على استمراره بين جناحي الدولة الأساسيين ، فإنه لا يتردد في مواجهة الموقف الأنصاري الجامح أحيانا ضد المهاجرين أو ضد قريش بشكل عام ، كما حدث إبان الدخول إلى مكة ، وانتشاء سعد بن عبادة - وقد كان يحمل راية النبي ( ص ) بالفتح ، إلى حد القول : « اليوم يوم الملحمة ، اليوم تستحل الحرمة ، اليوم أذل الله قريشا ، مما دفع النبي ( ص ) إلى أخذ الراية من سعد واعطائها إلى أحد المهاجرين ، وذلك للحئول دون استثارة المشاعر المضادة لدى أهل مكة ، في مرحلة كانت أول ما تقتضيه ، إرساء التعايش بين المسلمين وإخماد النزعات العصبية ، سواء كانت قبيلة أم اقليمية . وتراجع سعد في مكة متخليا عن الراية وفي نفسه شيء من المرارة ، ولكنه لم يتخل عن انضباطه والتزامه بأوامر النبي ( ص ) ، كما تراجع ومعه الأنصار في المدينة ، بعد مواجهة التكتل « القرشي » في السقيفة ، من غير أن تخونه المسؤولية أيضا ، وإن كان قد آثر الخروج من الحياة السياسية تاركا لابنه قيس تلك الانضباطية الشديدة في الموقف ، فضلا عن صفات ، ربما لم يكن ما يماثلها لدى الأب ، في الجرأة والشجاعة والتصلب في الموقف والمسئولية الواعية . ولعل هذه السمة تكاد تنسحب على الأنصار عامة ، الذين كانوا بمعنى ما ، أول المعارضة في الإسلام ، إذا ما أخذنا في الاعتبار هزيمتهم السياسية في السقيفة وما أورثته لدى قريش نحوهم من حذر ، تفاوت بين احتواء في العهد الراشدي ، باستثناء خلافة عثمان ، وبين المعاداة الصريحة في العهد الأموي لا سيما السفياني منه ، حيث العصبية كانت محور سياسات هذا العهد . ومن هذا المنظور ، يجد الأنصار أنفسهم متحالفين مع علي ( ع ) ، ربما يتعدى الحرمان المشترك ، إلى محاولة التعويض عن هزيمتهم في السقيفة . . وعلى الرغم من احتجاجهم على خروج علي ( ع ) من المدينة عشية موقعة الجمل ، ذلك الخروج الذي بدا حتميا بعد اغتيال الخليفة الثالث ، وما أدى اليه من اختلال في المركزية السياسية للحجاز واستتباع اقتصادي للأمصار ، فان الأنصار قد حددوا موقفهم من السلطة منذ عهد عثمان ، حيث كانوا على الهامش منها ، وشاركوا بصورة جزئية مع علي ( ع ) في البصرة ، وبصورة شبة كلية معه في صفين ، كما عرفت إدارة علي ( ع ) لأول مرة في الدولة ، ذلك الحضور الأنصاري البارز ، بعد تعيين عدد منهم في مراكز أساسية ، مثل أبي قتادة الأنصاري في مكة وسهل بن حنيف وأبي أيوب الأنصاري في المدينة وعثمان بن حنيف الأنصاري في البصرة . ومن البديهي أن يكون انكفاء علي ( ع ) ، انكفاء للوضع الأنصاري في الدولة الإسلامية حين نزلوا بثقلهم في صفين ، وكان أربعة منهم في مقدمة الصفوف وهم : قيس بن سعد وأبو أيوب الأنصاري وخزيمة بن ثابت وسهل بن حنيف . ولم يكن ما يثير الدهشة ، أن يكون قيس ، الذي تكرس زعيما للأنصار في عهد علي ( ع ) أبرز القادة وأكثرهم إخلاصا للحسن ( ع ) وحماسة لاستمرار الحرب ضد معاوية ، حيث كان ذلك الخيار الوحيد الذي لم يشأ التخلي عنه ، حتى بعد قرار الحسن ( ع ) بالتنازل عن الخلافة . وقد جر عليه ذلك الموقف أسوأ النتائج في العهد الأموي ، سواء عليه شخصيا بعد انتهائه إلى الانزواء بقية حياته في المدينة ، أو على جماعته الذين دفعوا الثمن الباهظ حرمانا واضطهادا في عهد معاوية ، وقتلا واستباحة لمدينتهم في عهد خليفته ( موقعة الحرة ) . وهكذا فان علاقة الأنصار بالسلطة ، قد اضطربت نسبيا بعد وفاة النبي ( ص ) ، واختلت تماما بعد سقوط الدولة الراشدية وقيام دولة الأمويين التي كانت سياستها مناوئة لهم في عهد الأول ، منطلقة من أحقاد قديمة ، جعلت الخليفة ( يزيد ) متشفيا بنكبتهم في أعقاب الحرة ، إذا ما توقفنا عند بيت الشعر المنسوب له في هذا المجال : ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل ( 1 ) إنهم الخزرج - جماعة قيس - دائما في الواجهة ، يقودون الموقف الأنصاري . . من المبادرة إلى دعوة الرسول ( 2 ) ، إلى المبادرة في طرح مسألة الخلافة ، إلى المبادرة في المعارضة المسئولة ، إلى المبادرة في الدفاع المستميت عن خلافة علي وأبنائه ( ع ) . . وأخيرا إلى المبادرة في حركة لها مضمونها الاجتماعي - الاقتصادي ، فضلا عن المضمون السياسي . . كان الأنصار مبادرين دائما في خطهم الجذري في الإسلام ، ذلك الخط الذي التزم به قيس وعبر عنه بصورة صادقة . أطل قيس على الإسلام إذن من الباب الكبير ، واكتسب « صحبة »
--> ( 1 ) البلاذري ، أنساب مخطوطة 333 . ينسب هذا البيت أيضا لعبد الله الزبعري أحد شعراء يزيد . الدينوري ، الأخبار الطوال ص 271 . الإمامة والسياسة ج 2 ص 6 . ( 2 ) كان عدد الخزرج طاغيا على الأوس في بيعتي العقبة وفي مجلس النقباء .