حسن الأمين
15
مستدركات أعيان الشيعة
ألفاظه عذبة مصطحبة ومعانيه لطيفة واستعاراته واقعة ، وتشبيهاته سليمة . وأن يكون سهل العروض رشيق الوزن متخير القافية ، رائع الابتداء بديع الانتهاء « . ( 1 ) وفي إطار هذه المقاييس التي وضعها الحاتمي لجودة الشعر ، فقد عاب الألفاظ الجافية عند المتنبي في قوله : أيفطمه التوراب قبل فطامه ويأكله قبل البلوغ إلى الأكل ثم يذهب إلى أن لفظة التوارب على سلامة مصدرها جافية جدا « . ( 2 ) وعلى ذلك فإنه يرى أن صحة اللفظ من حيث وضعه اللغوي لا يكفي لاستساغة استعماله وتذوقه . وهذا تحرك مرن في دائرة الاتجاه الكلاسيكي ، لأن جفاء اللفظ لا يعني عدم صلاحيته ، بل قد يكون أكثر ملاءمة للمقام أو الموقف العاطفي أو الفكري الذي تعبر عنه تلك الألفاظ . وقد ورد في القرآن الكريم كثير من الألفاظ الخشنة التي يتعذر استبدالها بغيرها لعميق ارتباطها بالسياق ككلمة ( ضيزى ) في قوله تعالى : « . . * ( قسمة ضيزى ) * » أي جائرة ، وفي تلك الخشونة ما يتلاءم وطبيعة الجور . والشيء اللافت للنظر عند نقادنا العرب القدامى هو سلخ اللغة وغيرها من العناصر الأصلية في البناء الأدبي عند التجربة الأدبية ، ثم تقويمها والنظر إليها منفصلة عن سياقها ، لأن النظرة هي التي تتحكم في ذلك التقويم وتوجهه . فالعمل الأدبي عمل فني متكامل لا يمكن تقويم أي جزء فيه بدون النظر إلى الأجزاء الأخرى . والنقد اللغوي يبرز في نقد الكلاسيكيين بكثرة وهو متوافر في مواجهة الحاتمي للمتنبي . ولست أعترض على ذلك النمط النقدي ولكني أرى أنه يظل جزئيا يدور في فلك النقد الفني بعامة . فكل لغة من اللغات لها قوانينها وقواعدها التي يمكن عن طريقها فهم العلاقات بين الكلمات ، بل العلاقات بين الجمل المختلفة في التراكيب اللغوية ، وينتج عن تجاوزها وإهمالها غموض اللغة وانحلالها ، بل قد يؤدي ذلك إلى ذوبان كثير من خصائصها الجوهرية ، ولكن هذه الأهمية التي نوليها للغة وتراكيبها لا يعني أن نقف متسمرين عند القوالب اللغوية الجامدة الجافة وأن نستهلك كل ما لدينا من إمكانيات في تتبع هفوات الأدباء ، والوقوف عند تلك الوظيفة الفرعية كما يفعل النقاد الكلاسيكيون . والحاتمي واحد من أولئك النقاد القدامى الذين عنوا بالنقد اللغوي عناية بالغة . وفي رسالته الموضحة وقف عند حد تتبع سقطات المتنبي ولم يضع أيدينا على تلك المواطن التي أجاد في اختيار ألفاظها حتى نتمكن من اكتشاف الخصائص التي بتوفرها تتحقق الجودة . فقد عاب الحاتمي استعمال المتنبي لكثير من الألفاظ منها كلمة ( كلوذا ) في قوله : طلب الامارة في الثغور ونشؤه ما بين كرخايا إلى كلوذا ثم خاطب المتنبي قائلا « من أين لك هذه اللغة في ( كلوذا ) ؟ ما أحسبك أخذتها إلا عن الملاحين . وإنك أخطات فيها خطا تعثرت فيه ضالا عن وجه الصواب ، لأن الصواب كلواذ بكسر الكاف وإسكان اللام وإسقاط الياء . قال : وما الكلواذ ؟ قلت : تابوت التوراة بها سميت المدينة ، والدليل على ذلك قول الراجز : كان أصوات الغبيط الشاذي زبر مهاريق على كلواذ والكلواذ : تابوت توراة موسى . والحقيقة أن العودة إلى التراث للاحتكام إليه والاستناد عليه من سمات التفكير الكلاسيكي المحافظ الذي ينتمي إليه الحاتمي ، فالاقتراب أو الابتعاد عن النماذج الفنية والأصول الأدبية التي تم التواضع عليها هما جوهر الحكم . وثمة مثال آخر يدعم ما ذهبنا إليه . فقد خطا الحاتمي المتنبي في قوله : وصلت إليك يد سواء عندها البازي الأشهب والغراب الأبقع ثم وجه إليه الخطاب « فإنك شددت الياء في ( البازي ) تشديدا لا وجه له ، ووصلت ألف القطع في الأشهب . ولا أعلم أحدا من الفصحاء شدد الياء في البازي إلا البحتري ، وعليه اعتمدت ، وعلى لفظ بيته ركنت في قوله : وبياض البازي أحسن لونا إن تأملت من سواد الغراب وقد رد هذا على البحتري وخطأ في تشديده الياء . ( 3 ) وعلى الرغم من أن البحتري من الشعراء الذين يعتد باشعارهم ويستشهد بها لأنه يمثل العموديين فقد خطاه النقاد لخروجه عن القواعد الثابتة للغة العربية . وقد أدى ذلك الموقف النقدي المتحجر - الذي يتصدى للتطور مهما كان طابعه - إلى توقف النمو والازدهار للغة ومفرداتها . ولم يكن خط موسيقى الشعر وقوافيه أكثر وفرة ، لأن ما ورد عن العرب كان النموذج الأرقى والمثال المحتذى ، فالقافية - مثلا - لها أهمية كبيرة - عنده - كما كان لها ذلك القدر عند العرب القدامى . وفي تطبيقه للمقاييس التي وضعها لجودة الشعر أخذ على المتنبي تكلف القافية في قوله : وأظنه حسب الأسنة حلوة أو ظنها البرني والأزاذا ورأى أن كلمة ( الأزاذا ) قافية قلقة مجتذبة مجتلبة معلولة غير مقبولة . ثم قال « وسبيل الشاعر أن يعنى بتهذيب القافية فإنها مركز البيت حمدا كان ذلك الشعر أو ذما ، وتشبيبا كان أو نسيبا ، ووصفا كان أو تشبيها . وأن يتأمل الغرض الذي يرميه فكره ، فينظر في أي الأوزان يكون أحسن استمرارا ، ومع أي القوافي يكون أشد اطرادا ، فيكسوه أشرف معارضه ، ويبرزه في أسلم عباراته ، ويعتمد إقرار المعاني مقارها ، وإيقاعها مواقعها ، وقد حكي عن الحطيئة أنه قال : نقحوا القوافي فإنها حوافر الشعر . ويرى أنه شتان بين قول المتنبي ( الأفخاذا ) في البيت : فغدا أسيرا قد بللت ثيابه بدم وبل ببوله الأفخاذا وبين قول الحطيئة : هم القوم الذين إذا ألمت من الأيام مظلمة أضاؤا فلقوله « أضاؤا » موقع لطيف وذلك أنها لفظة لا يستطاع تبديلها بغيرها
--> ( 1 ) الرسالة الموضحة 25 . ( 2 ) المصدر السابق 31 . ( 3 ) الرسالة الموضحة 57 .