حسن الأمين
16
مستدركات أعيان الشيعة
ولا تغييرها بما يسد مسدها . . « . ( 1 ) وقد كان لهذا التفكير النقدي تأثير كبير على النقاد بعد الحاتمي كابن رشيق في موقفه من أهمية دور القافية ، كما تأثر الكلاسيكيون الجدد تأثرا كبيرا وكان على رأسهم مصطفى صادق الرافعي ( 2 ) واستمر الأثر واضحا عند كل المدارس النقدية الحديثة في معظم الأقطار العربية . الاستعارة عند الحاتمي لم تختلف نظرة الحاتمي - في الرسالة الموضحة - عن نظرة كل من القاضي الجرجاني والرماني وأبي هلال العسكري لمفهوم الاستعارة من حيث كونها « نقل كلمة من شيء قد جعلت له ، إلى شيء لم تجعل له . . » . ( 3 ) وهو من المؤسسين لفكرة النقل التي حاربها عبد القاهر الجرجاني فيما بعد . ( 4 ) وقسم الحاتمي الاستعارة إلى ثلاثة أضرب : أولها : الاستعارة المستحسنة وهي التي موقعها في البيان فوق موقع الحقيقة كقوله تعالى * ( « إنا لما طغى الماء » ) * [ الحاقة 11 ] فحقيقة طغى علا . فلما قال تعالى طغى جعله علوا مفرطا ، فصار لهذه الاستعارة حظ في البيان لم يكن للحقيقة ومن الاستعارة المستحسنة قول الشاعر : ( 5 ) وردن لتغوير وقد وقد الحصى وذاب لعاب الشمس فوق الجماجم فاستعار للحصى وقدة ، إخبارا عن توقد الهاجرة . واستعار للشمس اللعاب اخبارا عن شدة الحر . وعلى الرغم من أن الاستعارة في الآية تصريحية وفي بيت الشعر مكنية فهو لم يفرق بينهما ، ووصفهما على حد سواء من حيث مبالغتهما في المعنى الحقيقي ، ولم يتنبه - كما فعل عبد القاهر بعده - إلى ما تمتاز به الاستعارة المكنية من حيث قدرتها على التشخيص والتجسيم ، إلى جانب قدرتها - كاداة فنية - على خلق لون من الترابط والتجانس بين الأشياء التي يستطيع الأديب أن يكشفها بين الأشياء غير المتجانسة . ثانيها : وهو الاستعارة المستهجنة ، ويرى أنها استهجنت لأنهم استعاروا لما يعقل أسماء وألفاظ ما لا يعقل كقول الشاعر : فما برح الولدان حتى رأيته على البكر يمريه بساق وحافر ويعقب بقوله « وهذا الشاعر إنما وصف رجلا أضيف وأكرم فقال : ما برح الإماء والولدان يكرمنه حتى رأيته قد ركب راحلته وانصرف شاكرا عنهم فالمعنى في نهاية الحسن ، إلا إنه قال في آخر البيت يمريه بساق وحافر » فقبح لما استعار للرجل موضع قدمه حافرا . وثمة حقيقتان تجدر الإشارة إليهما هنا أولاهما : أن النقاد لم يستهجنوا هذا النوع للأسباب التي ذكرها الحاتمي وهي استعارة ما لا يعقل لما يعقل بل إن العوامل الكامنة وراء الاستقباح ترجع بدرجة كبيرة إلى انعدام الغرض الفني من ذلك النقل . أما الحقيقة الأخرى أن عبد القاهر تنبه إلى فساد ذوق الحاتمي واستدرك عليه خطاه حين أقر أن آخر البيت « يمريه بساق وحافر » ليس قبيحا وإنما جاء مشوبا بالأحاسيس ثم قال « فليس بالبعيد أن يكون فيه شوب مما مضى [ وصفه بسوء الحال ] ، وأن يكون الذي أفضى به إلى ذكر » الحافر « قصده أن يصفه بسوء الحال في مسيره ، وتقاذف نواحي الأرض به ، وأن يبالغ في ذكره بشدة الحرص على تحريك بكره ، واستفراغ مجهوده في نفسه . . » . ( 6 ) أما الضرب الثالث من الاستعارة أحسن من الثاني لأنهم استعاروا لما لا يعقل اسما لما يعقل كقول الراجز : وهاطل الجري أتي مقدمه ما لثمت كف الصعيد قدمه فجعل له مكان حافره قدما « . ( 7 ) وقد تأثر عبد القاهر الجرجاني - في تقسيمه الاستعارة إلى قسمين : مفيدة وغير مفيدة وما يشتبه فيه الطرفان - بالحاتمي في تقسيمه الاستعارة إلى مستحسنة ومستهجنة وما يقف بينهما ، بل إنه استشهد بالأمثلة ذاتها التي أوردها الحاتمي . ( 8 ) ولكن عبد القاهر لم يقف عند الحد الذي وقف عنده ، بل طور ذلك تطويرا جعل البلاغة تقفز قفزات رائعة في ميدان الفن الأدبي . ولعل الفارق بين عبد القاهر - كممثل لاتجاه ثائر - وبين الحاتمي كناقد كلاسيكي محافظ يتضح في موقفيهما من حدود الخيال الذي تتحرك في عالمه الصورة الاستعارية ، فعبد القاهر - على الرغم من اعتماده على العقل في توليد الصورة الأدبية - لكنه لم يحكمه في قوانينها ، بل جعل القلب مصدر الحكم عليها . أما الحاتمي فان حدود الخيال تقف عند الحدود التي يقبلها العقل . وهو الموقف ذاته الذي استمسك به الكلاسيكيون من معاصريه وعلى رأسهم الآمدي والقاضي الجرجاني ( 9 ) . فقد رأى الحاتمي أن الاستعارة في بيت المتنبي التالي استعارة قبيحة : أليس عجيبا أن وصفك معجز وأن ظنوني في معاليك تظلع ويقول مخاطبا الشاعر « . . استعرت الظلع لظنونك ، وهي استعارة قبيحة ، وتعجبت في غير متعجب منه ، لأن . من أعجز وصفه لم يستنكر قصور الظنون وتحيرها في معاليه . . » ثم يعلل لحكم الاستعارة ، فيذهب « إلى أنه ليس للظن فعل حقيقي استعرت الظلع موضعه . وإنما يقال ظن عازب ، وظن كاذب ، وظن ألمعي ، وظن مصيب . وهذه كلها استعارات واقعة . ولم يسمع شاعر فصيح ولا عربي صريح : ظن ظالع ، واستعارة الظلع للريح وإن كانت بعيدة أولى وأقرب ، من أجل أنه يقال : ريح حسرى ، وريح مريضة يراد كلالها ونقصان هبوبها ، فجاز أن يوضع مكان الكلال الظلع ، لأنه من جنس قصور الهبوب . وكذلك الظلع في الريح موضوع في غير موضعه ، وإنما يقال في هذا المعنى ريح حسرى ، وحسرى ليست على الحقيقة إنما تورد استعارة . موقع تحسر في البيان أحسن من موقع تظلع . فاستبدلت استعارة واقعة لطيفة . . باستعارة خافية بعيدة . . ( 10 )
--> ( 1 ) الرسالة الموضحة 43 . ( 2 ) انظر وحي القلم ، الجزء الثالث . ( 3 ) الرسالة الموضحة 69 - يقول القاضي الجرجاني « وإنما الاستعارة ما اكتفي فيها بالاسم المستعار عن الأصل ونقلت العبارة فجعلت في مكان غيرها » . [ الوساطة 41 ] . ويقول الرماني « إنها تعليق العبارة على غير ما وضعت له في أصل اللغة إلى غيره » . [ النكث في إعجاز القرآن 79 ] ويقول أبو هلال « الاستعارة نقل العبارة من موضع استعمالها في أصل اللغة إلى غيره » . [ كتاب الصناعيين 274 ] . ( 4 ) انظر أسرار البلاغة 390 وما بعدها . ( 5 ) نسب الحاتمي هذا البيت خطا إلى الحطيئة علما بان جل الكتب النقدية القديمة أثبتته [ للمزرد ] للزمرد . ( 6 ) أسرار البلاغة 131 . ( 7 ) الرسالة الموضحة 72 . ( 8 ) انظر أسرار البلاغة 123 وما بعدها . ( 9 ) انظر الوساطة 37 وما بعدها - وانظر الموازنة 1 : 22 ، 245 - 265 . ( 10 ) الرسالة الموضحة 43 .