حسن الأمين
147
مستدركات أعيان الشيعة
لآل علي . أبو الفرج بغدادي المنشأ وإذا كنا قد تلمسنا طريقنا في متاهة من المعلومات حين تحدثنا عن الجزء الأول من حياة أبي الفرج الأصبهاني ، فان ما لدينا من معلومات عن حياة هذا المؤلف الجليل في شبابه وشيخوخته يجعل مهمتنا أقل عسرا حين نتحدث عنه طالب علم ومؤلفا وشخصية مرموقة من شخصيات عصره . تتفق المصادر أن أبا الفرج بغدادي المنشأ والثقافة وأنه تلقى العلم في المدينة الزاهرة على أيدي النخبة من الرجال العظام الذين كانت تزخر بهم بغداد حاضرة العلم والمعرفة في عالم القرون الوسطى ورغم أننا لا نستطيع تحديد السنة التي أتى أبو الفرج فيها للسكنى في بغداد إلا أننا نستطيع القول أنه في سنة 200 هكان يقيم مع أبيه في تلك المدينة وذلك لأنه يحدثنا في « أغانيه » عن لقائه في تلك السنة مع شخص قدم عليه وعلى أبيه دار السلام حيث كانا يقيمان . ومن بغداد يخرج أبو الفرج ليزور البصرة والكوفة وأنطاكية وغيرها سعيا وراء رواية يتلقفها من فم راو أو خبر لم يطرق مسامعه وهو في بغداد . السنة التي أصبح فيها أبو الفرج مؤلفا وتجيء السنة [ 213 ] 313 للهجرة فينتقل صاحبنا من صف طلاب العلم ليتربع مكانا مرموقا بين صفوف المؤلفين . ففي هذه السنة ألف أبو الفرج مؤلفه « مقاتل الطالبيين » الذي أرخ فيه لمن قتل من آل أبي طالب أو مات في موقعة أو سجن مبتدئا بجعفر بن أبي طالب ومنتهيا بالطالبيين الذين قضوا خلال حكم المقتدر . وانتقال أبي الفرج إلى صف المؤلفين هيا له فرصا من الشهرة جعلته يحظى بعطف وحماية أشخاص من نوع الوزير المهلبي وزير معز الدولة الذي وجد مؤلفنا الشاب في كنفه الظل الوارف والملجأ الأمين . وقد أتيح للعلاقة بين صاحب « مقاتل الطالبيين » ووزير معز الدولة أن تنقلب إلى صداقة ، وأن تدوم هذه الصداقة حتى يفرق الموت بينهما . وينصرف أبو الفرج إلى التأليف فيطرق العديد المتنائي من الأبواب ، ويضيف إلى كنوز المكتبة العربية آفاقا ما زلنا نعب من ينابيعها الثرة حتى هذا اليوم . اللهو والاقذاع والقذر في حياة أبي الفرج ولكن حياة أبي الفرج لم تكن كلها جدا وتأليفا . فقد اجتذبت أضواء بغداد ، وجلبة حاناتها ، وشدو قيناتها ، وفتنة غلمانها ، جزءا غير يسير من انتباه صاحبنا ، فشرب وطرب وتمتع بشدو القيان وجمال الغلمان . وقد حفظت لنا كتب الأدب وتراجم الرجال الكثير من أخبار مجونه مما لا نرى ضرورة للتفصيل فيه في مقام كهذا . وما دمنا في صدد الحديث عن أبي الفرج الإنسان فلا بد لنا من أن نشير إلى ما تتحدث عنه الروايات من ضراسة خلقه وحدة مزاجه وإبداعه في الهجاء من بين فنون الشعر المختلفة ، واقذاعه في مذمة إخوانه إذا بدت منهم أصغر الهفوات ، أو تراءى له مبهم ما قد يفسره بجفوة أو نبوة . هذا بالإضافة إلى الحديث المستفيض عن قذارة ثوبه وبدنه وكيف أن ثوبه لا يعرف غسلا منذ أن يترك دكان البائع حتى يصير في زمرة الأسمال البالية . على أن قذارة الثوب والبدن وشراسة الطبع وبذاءة اللسان لم تحرم صاحبنا من نعمة الصداقة ولم تبعد عنه أنس الإخوان ، فقد كان له في جليل مكانته العلمية خير جواز مرور لأرفع الأوساط وأرفه المجالس . عاش أبو الفرج حياة لم يعكر صفوها خوف من جوع أو قلة في المال ، فقد كان بيته في بغداد بين درب سليمان ودرب دجلة بيتا رافها يدل على غضارة العيش . ولا غرو فالأصبهاني عمل في ديوان ركن الدولة كاتبا ، ونعم باعطيات المهلبي وغيره من السادة ودرت عليه مؤلفاته مالا ليس بالقليل . وقبل أن يوافيه الأجل يصاب بالفالج ويخلط ، ولكن المنية ما تلبث أن تضع حدا لآلامه . أبو الفرج مؤلف متعدد الجوانب هذه هي الخطوط العريضة للحياة الخصبة التي عاشها علم من أعلام الفكر والموسوعة في القرن الرابع للهجرة ، وإذا كان لا بد لنا من وقفة أمام أحد جوانب هذه الحياة فلا أحرى بنا من أن نطل على الجانب الفكري فيها ، إذ يكمن في هذا الجانب قصة من قصص الشموخ والعلاء جديرة بانحناءة إجلال وإكبار . كانت ثقافة أبي الفرج ثقافة موسوعية متعددة الجوانب ، وكان من بين الذين تلقى العلم عنهم أناس جالوا في أكثر من ميدان . وتظهر آثار هذه الثقافة المتسعة المتلونة تلون قوس قزح في القائمة الطويلة من المؤلفات التي دبجها يراعه . فلأبي الفرج حسب ما تقول المصادر المختلفة الكتب التالية : كتاب الأغاني ، كتاب مجرد الأغاني ، كتاب مقاتل الطالبيين ، كتاب تفضيل ذي الحجة ، كتاب الأخبار والنوادر ، كتاب أدب السماع ، كتاب أخبار الطفيليين ، كتاب أدب الغرباء ، كتاب مجموع الآثار والأخبار ، كتاب أشعار الإماء المماليك ، كتاب الخمارين والخمارات ، كتاب الديارات ، كتاب الفرق والمعيار في الأوغاد والأحرار ، وهي رسالة عملها في هارون بن المنجم ، كتاب القيان ، كتاب دعوة النجار ، كتاب أخبار جحظة البرمكي ، كتاب الحانات ، أيام العرب ، كتاب التعديل والانتصاف في أخبار القبائل وأنسابها ، كتاب جمهرة النسب ، كتاب نسب بني عبد شمس ، كتاب نسب بني شيبان ، كتاب نسب المهالبة ، كتاب نسب بني تغلب ، كتاب الغلمان المغنين ، وكتاب مناجيب الخصيان . ولم يصلنا من هذه القائمة الطويلة الدسمة الا كتاب الأغاني ومقاتل الطالبيين ، وهما مطبوعان ومتداولان ، وكتاب الديارات وهو على ما أعلم ما يزال مخطوطا ينتظر يد المحقق والطابع . كتاب الأغاني ونحن وإن كنا لا نملك حكما على ما لم يصلنا مما كتب أبو الفرج فان لنا في درته الخالدة ، الأغاني ، دنيا من المعرفة ينتقل فيها المرء من شيق إلى لذيذ ، ومن مفيد إلى غريب ، بين ضروب من التاريخ والأدب والنقد والموسيقى والأخبار والأنساب والتراجم وغير ذلك . والكتاب في الأساس ألف ليضم الأصوات المئة التي اختارها هارون الرشيد وجمعها إبراهيم الموصلي وإسماعيل ابن جامع ، وفليح بن عوراء ، وراجعها فيما بعد اسحق الموصلي بناء على أمر الخليفة الواثق . ولكن الكتاب ليس هذا فحسب ، انه السجل الضخم لجميع مناحي حياة العرب وحضارتهم منذ الجاهلية وحتى نهاية القرن الثالث للهجرة ، انه « ديوان العرب » كما يقول بحق ابن خلدون . وإذا أردنا تقسيما موضوعيا للمادة التي نصادفها في الأغاني لأمكننا أن نفرق هذه المادة إلى خمس زمر : 1 - معلومات فنية تتعلق بالموسيقى العربية والغناء العربي ومدارس