حسن الأمين

14

مستدركات أعيان الشيعة

متكبرا متعاليا مزهوا بنفسه يقول : « التحف [ المتنبي ] رداء الكبر ، وأذال ذيول التيه . . وناى بجانبه استكبارا ، وثنى عطفه جبرية وازورارا ، فكان لا يلاقي أحدا إلا أعرض عنه تيها ، وزخرف القول عليه تمويها يخيل عجبا إليه ، أن الأدب مقصور عليه ، وأن الشعر بحر لم يرد نمير مائه غيره ، وروض لم ير نواره سواه ، فهو يجني جناه ، ويقتطف قطوفه دون من يتعاطاه . . » . ( 1 ) الرسالة الموضحة 6 . الحاتمي ( ت 388 ه‍ ) كاتب شاعر ناقد ، شهد له مؤرخو الأدب بوفرة الاطلاع ، وغزارة العلم ، نقل عنه عدد من النقاد منهم ابن رشيق ( ت 456 ) وابن سنان الخفاجي ( ت 466 ) وأسامة بن منقذ ( ت 584 ) وقد ترك كثيرا من الكتب منها : حلية المحاضرة ، المجاز ، الموازنة ، المعيار ، عيون الكاتب وغير ذلك . كما ترك رسالتين في نقد الشعر هما : الرسالة الحاتمية والموضحة وهي موضوع بحثنا . . وقد أدى ذلك التصور بالحاتمي إلى أن يحمل على المتنبي ، بل إنه يفاخر حين يعلن تحديه له ، فيقول « . . نهدت له متتبعا عواره ، ومقلما أظفاره ، ومذيعا أسراره ، وناشرا مطاويه ، ومنتقدا من نظمه ما تسمح به . . » . بل لقد خرج الحاتمي عن النقد الأدبي بعامة حين عرض لثياب المتنبي وهيئته فقال : « . . ودخلت فأعظمت الجماعة قدري ، وأجلستني في مجلسه ، وإذا تحته أخلاق عباءة قد ألحت عليها الحوادث فهي رسوم داثرة وأسلاك متناثرة . . وحين لقيته تمثلت بقول الشاعر : وفي الممشى إليك علي عار ولكن الهوى منع القرارا وإذا به لابس سبعة أقبية كل قباء منها لون ، وكنا في وغرة القيظ وجمرة الصيف ، وفي يوم تكاد ودائع الهامات تسيل فيه . . » . ويكشف الحاتمي - كذلك - عن ذلك الجو النفسي الذي دارت فيه تلك المبارزة التي نقد فيها شعر المتنبي وحكم على شاعريته بالسقوط ، فقد صور ذلك بقوله « . . فجلست مستوفزا وجلس متحفزا ، وأعرض عني لاهيا وأعرضت عنه ساهيا . أؤنب نفسي في قصده ، وأسخف رأيها في تكلف ملاقاته . فغبر هنيهة ثانيا عطفه لا يعيرني طرفه ، وأقبل على تلك الزعنفة التي بين يديه ، وكل يومئ إليه ويوحي بطرفه ، ويشير إلى مكاني بيده ، يوقظه من سنة جهله ، ويأبى إلا ازورارا ونفارا ، وعتوا واستكبارا . . » . ( 1 ) وقد كان لهذه الذاتية المفرطة أثر كبير في الحركة النقدية في القرن الرابع وما بعده ، وحاول النقاد - من معاصري الحاتمي - أن يكبحوا من جماح الهوى ، ويضعوا القوانين الموضوعية التي تضمن عدم الانحراف . كما أنهم نبهوا إلى خطورة العنصر الذاتي - إذا أسيء استغلاله - في تعويق الفكر النقدي ، والوقوف في طريق نضجه واكتماله . وفي إطار ذلك دعا القاضي الجرجاني إلى الحكم العادل الذي لا يحيف عن الحق . يقول « . . ليس من شرط صلة رحمك أن تحيف لها عن الحق ، أو تميل في نصرها عن القصد ، فكذلك ليس من حكم مراعاة الأدب أن تعدل لأجله عن الإنصاف ، أو تخرج في بابه إلى الإسراف ، بل تتصرف كيف صرفك ، وتقف على رسمه كيف وقفك . . » . ويبين القاضي الأسباب التي تكمن وراء هذه الدعوة إلى الإنصاف في الحكم النقدي ، ويرجعها إلى موقف النقاد من المتنبي ، ويذهب إلى أنهم انقسموا إزاء المتنبي فئتين : فمنهم من أطنب في تقريظه ومنهم من بالغ في الانتقاص منه ، ثم يرى أن كلا الفريقين إما ظالم له أو للأدب فيه . . « . ( 2 ) وكان لموقف الحاتمي من المتنبي أثر كبير على النقاد بعده ، » فكان كثير مما استخرجوه من الأبيات المستهجنة لدى المتنبي هو ما استخرجه الحاتمي . . وستكون حجج المؤيدين له منتزعة من الحجج التي وضعها الحاتمي على لسانه ، كما أن شواهد خصومه هي الشواهد التي استخرجها الحاتمي من شعره . . « . ( 3 ) الحاتمي ناقد كلاسيكي محافظ احتدم الصراع الأدبي حول شاعرين كبيرين في العصر العباسي كانا نقطة تحول خطيرة في تاريخ الحركة الشعرية والنظرية الأدبية عند العرب هما أبو تمام والمتنبي ، لأنهما حولا مسيرة الشعر العربي وواجها ذلك التيار القوي الذي كان يسيطر على الذوق الأدبي منذ أن عرف الشعر عند العرب . ( 4 ) ولعل أبا تمام كان أشدهما خطرا لأنه سابق زمنيا وكان من أوائل الشعراء الذين خرجوا على الأصول الفنية الكلاسيكية للشعر . ولكنه كان أولهم تعميقا لذلك الاتجاه وإبرازا له ، بل وجعله مذهبا أدبيا عمل على ترسيخ أصوله . وقد عرف فيما بعد بالمذهب البديعي . وهو مذهب تجديدي . سار في ركابه جمع من الشعراء وسانده بعض النقاد ، وإن كانوا قلة . وقد أدت نشأة المذهب البديعي إلى خلق بعض الظواهر النقدية التي لم تكن معروفة قبل ذلك من أهمها : القدم والحداثة وما يتصل بها من تفسير لعملية الخلق الفني ، منها ما يتعلق بالتقليد الذي يرتكز على ملء القوالب المعدة سلفا التي ابتدعها الشعراء العرب منذ العصر الجاهلي أو التفرد الذي يخلو من كل تقليد واتباع يلجا فيه الشاعر إلى ذاته ومكوناتها وطبعه المفطور . كما وجدت ظاهرة نقدية أخرى نقلت الصراع بين هذين الاتجاهين المتقابلين إلى دائرة أخرى ، دائرة القوى المتحررة من أسر المنطق ، وما يفرضه من علاقات والقوى التي تعمل على استبداله بقوانين لا تخضع إلا للمنطق الخاص بالقلب الذي يحطم كل القوانين الخارجية ويتمرد عليها تمردا محموما . وكان الخيال محور ذلك الصراع ، فالخيال الكلاسيكي خيال مصنوع حدوده ما يتقبله العقل وما تقع عليه الحواس أو امكانية وقوعها عليه . أما الخيال المحدث فهو الذي يفضي إلى خلق لون جديد من العلاقات المبتدعة التي تعلو فوق الواقع ، بل وتشتط في كثير من الأحايين ، فتفلت من قبضة العقل ، وتخرج من حدود مملكته . وإذا كان قد وجد كثير من النقاد الذين يسندون الاتجاه الكلاسيكي - المتمثل في عمود الشعر وما ينضوي تحته من أصول فنية - فان ناقدا واحدا فقط وقف إلى جانب الاتجاه المتحرر من أسر العمود هو عبد القاهر الجرجاني . ( 5 ) ويقف الحاتمي - في مؤلفه الذي بين أيدينا - إلى جانب النقد الكلاسيكي في مواجهة الاتجاه البديعي المحدث ، ينتصر لعمود الشعر ، يتخذ أصوله الفنية قاعدته الصلبة في تقييم الأعمال الشعرية التي يعرض لها . واستحق بذلك أن يوضع إلى جانب الآمدي والقاضي الجرجاني كأساطين للاتجاه الكلاسيكي في النقد العربي القديم . ومقاييس الجودة - عند الحاتمي - هي بعينها في عمود الشعر كما سجله القاضي الجرجاني ، الذي عاصره في معظم سني عمره . يقول « . . وحدود الشعر أربعة : وهي اللفظ والمعنى والوزن والتقفية . ويجب أن تكون

--> ( 1 ) الرسالة الموضحة 10 . ( 2 ) انظر الوساطة 3 . ( 3 ) تاريخ النقد الأدبي عند العرب 270 . ( 4 ) عرف الشعر عند العرب قبل امرئ القيس بمائتي سنة تقريبا . ( 5 ) انظر « دلائل الاعجاز » وأسرار البلاغة « للمؤلف .