حسن الأمين
135
مستدركات أعيان الشيعة
ولعل نشأته في بيت والده العلامة السيد محسن الأمين جعلت حياته حافلة بالعطاء فقد تربى على الفقه والشعر والبلاغة والتنقيب في بطون الكتب واستخلاص الغث من السمين والوصول إلى الحقيقة يدونها ويقرها بعد تمحيص مع الاحتفاظ بطبيعة ابن الجنوب الطيب والمضياف والثائر والمناهض لكل أنواع الظلم والتجني واعتماد مبدأ الصراحة والوضوح إضافة إلى الطبيعة الشاعرة والسليقة التي تعطي صاحبها صفات مميزة ، فهو انى تلفت في نشأته وجد الكتب القديمة والحديثة ، إضافة إلى ما عند والده وأشقائه من فقه وشعر وأدب . ثم إن عمله في حقل المحاماة والقضاء والصحافة مكنه من معرفة ما يحيط به وأدرك التوجهات والدخائل مما جعله ملما بالحياة العامة مدركا لما يجب ان يكون وما يحتاج إلى الإصلاح وما هو الأساس الذي يمكن إعلاء البناء عليه مع الثقة والطمأنينة إلى المستقبل الذي لا بد من تخيل صورته قبل الوصول اليه ، ولم يمنعه ذلك كله من أن يكون فكها مرحا يبتكر النكتة أو يستنبطها أو يقود الحديث والمناسبة إليها كدليل على سرعة الخاطر . وقد مكنته نشأته في بيت العلم أن يكون من الرعيل الأول من المتعلمين الذين تابعوا تحصيلهم ، وقد نال إجازة في الحقوق عام 1939 ، واتقن العربية والفرنسية والإنكليزية والروسية والفارسية وهي ثروة جعلته يطلع على التيارات الفكرية المختلفة بلغة أبنائها ، ويقرأ عباقرة الشعر والقصة والرواية والإصلاح إضافة إلى ما توفر له منذ نشأته من أدب وفقه وتاريخ خصوصا ما يتعلق برسالة النبي العظيم . وقد ألم بحضارة الشرق والغرب ، أما الشعر فحسبه انه كان إلى جانب والده واحدا من اخوته الشعراء هاشم وحسن وجعفر ، وعرف عنه انه غزير الإنتاج يتدفق منه الشعر كأنه يملك ناصيته في ثوبه الكلاسيكي وما يوصف بالحديث أو المنثور والحر ، يساعده على ذلك امتلاكه زمام اللغة وما فيها من جناس وبديع وجزالة وسلاسة . وكما كان لامرتين الشاعر الفرنسي يصف نفسه بأنه يكتب الشعر كما يغرد العصفور ويتدفق الشلال ، ويدبج هوامش كتاب بين يديه ، كذلك عبد المطلب الأمين إذ كان يدون ما يفيض به خاطره على بياض صحيفة بين يديه وحتى على علبة السجائر سواء كان في السيارة أو بين الناس أو في اجتماع عام ، وهذا ما يؤثر عن شوقي أمير الشعراء الذي كان ينطق بالشعر في أي من المناسبات وحتى في السيارة والترام والأماكن العامة . ولم يكتف الشاعر الأمين بذلك فقد عمل كما أشرنا في حقلي القضاء والمحاماة إضافة إلى أنه كان يوصف بأنه دائرة معارف يأتيه المعجبون للاستقاء من معارفه في القانون المدني والفقه والشريعة ومراجعة الكتب الإسلامية وتاريخ آل البيت النبوي الشريف إضافة إلى مراسلات العديد من كبريات الصحف العربية . وعند ما عين سفيرا لسوريا في موسكو حقق نجاحا دبلوماسيا لفت اليه الأنظار وشد الانتباه فكان موضع تقدير واحترام ومحور نشاط وتحرك ايجابي . وسبق ذلك ان عمل في حقل التعليم إلى جانب الشاعر الكبير بدوي الجبل . والذي جعله يلم بالظروف العربية العامة انه درس الحقوق في دمشق وعمل قاضيا في لبنان ومحاميا في الكويت ومدرسا في دار المعلمين في بغداد وسفيرا لسوريا في موسكو وقاضيا في لبنان وصحافيا في دمشق وموظفا بصفة رئيس قسم التوجيه في وزارة الدفاع السورية حتى النكسة نتيجة العدوان الإسرائيلي عام 1967 ، وبعد ذلك كله امضى ما تبقى من حياته في بيت متواضع في محلة النهر بشرق العاصمة بيروت . وإذا كان لم يلجا إلى الفلسفة كصاحب نظرية خاصة ، فقد كانت الحياة بالنسبة اليه مجرد محطة وليست هدفا كل ما فيها انها تغني تجارب الإنسان وتضيف إلى معارفه الكثير مما يحتاجه فهو يقول : ودروب الحياة مهما استطالت هي في خطونا الملح دروب ويقول أيضا : تضاءل العمر وانهارت مهابته حتى استحال تساجيعا وأوزانا ويستشف الشاعر ذلك من تربيته الدينية والفلسفة الإسلامية فهو يسال ولكن ليس على طريقة إيليا أبو ماضي في قصيدته الطويلة - الطلاسم - : إلى أين يمضي بنا ركبنا عنيفا لجوجا على عمرنا وحتام يعصف فينا القضاء وتودي الرياح باسمالنا أكنا من الكون ألعوبة وهل أبدع الكون إلا لنا ويصل إلى السؤال الذي لا جواب له : ومن ذا يجيب على سؤلنا أصمت المقادير أم صمتنا ومن حق الشاعر بعد شوط متعدد الوجوه في الحياة أن يجد نفسه كثير التساؤل وقد اختزن في نفسه المزيد من المعلومات والتجارب السياسية والاجتماعية والحركات الشعبية وفي مقدمها العدوان الإسرائيلي لا سيما عام 67 ، وحسبه انه شاعر ، أي مرآة تنعكس على صفحتها الأضواء والظلال ، وفي هذا يقول عنه الدكتور حسين مروة ( يملك العدة الكافية ، بل الغنية لدقة الاختيار وبراعة الاستصفاء ، ثم لأحكام البناء الشعري وإتقانه ، إضافة إلى امتلاكه الوثيق لكل أدوات اللغة الشعرية وقواعد النحو والعروض ) . ويمكن وصف السيد عبد المطلب الأمين بأنه ارتبط بجبل عامل وتراثه الشعري والأدبي والفقهي مع الأخذ بمنحى التجديد من غير انقطاع عن الكلاسيكية ، وعلى سبيل المثال تهزه جريمة اغتيال الكاتب والصحفي الفلسطيني غسان كنفاني فيقول : قد كنت الكلمة الكل الكل الكلمة كالبرعم والصلد كالصخر وكالورد لا بدء بلا كلمة لا شيء بلا كلمة لا مجد بلا كلمة لكن الكلمة . . . من فمك المفصول عن الرأس من صدرك هذا الراسي هذا المفتوح على عكا هذا المعشوشب بالحب بالنار وبالحقد شيء يخرس كل الناس ويستوحي الشاعر ما يمر به ويشاهده ويتعرض له في حياته فقد وجد نفسه مثلا وهو في سلك القضاء يحاكم متهمين شتان بين جرائمهم وجرائم من هم في مراكز عالية وأماكن أشبه ما تكون بمكانة امرأة القيصر . وهذا ما اثر فيه وعكسه شعرا : فالبيت قصر الأثرياء والقدس وكر الأدعياء وروائح البترول تزكم انف كل الأنبياء تطغى على نتن الجريمة من دهاليز الثراء والحاكمون الداعرون تعودوا شرف البغاء