حسن الأمين
128
مستدركات أعيان الشيعة
الصحافة المهنة الوسيطة الوحيدة ، إذ تكفيها نقلة وحيدة فتكون اما مع السلطة وإما مع مناهضيها . والكواكبي كان مع مناهضي السلطة - مع الأكثرية - فاصدر المجلة تلو الأخرى وكان في كل مرة لسانا سلطا وداعية تحرر وداعية استقلال وداعية ثورة على ظلم النظام الحميدي الذي لم يدعه يستقر وإن لسنوات . فأوقف إصدار مجلته الأولى « الشهباء » ليصدر غيرها باسم أكثر اعتدالا ، فكانت « الاعتدال » ، ولكن سيف الاستبداد ظل يلاحقه باستمرار وظلت دسائس أبي الهدى الصيادي تجد له التهمة إثر الأخرى فأوقف العمل بالصحافة ليعمل بالتجارة . لكن التهم ظلت تلاحقه وتلاحق مشاريعه حتى الزم إفلاس تجارته وانهاء العمل فيها لينتقل إلى مصر البعيدة نسبيا عن التسلط العثماني وسيف استبداده . وفي مصر عاد الكواكبي ليعمل بالصحافة فيكتب كتابه الأول « طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد » بشكل مقالات صحفية تنشر تباعا فتلاقى رواجا شديدا وصدى عريضا واسعا لما تضمنت من تحليل صائب للأوضاع الاجتماعية السياسية السائدة ومن لهجة صادقة ومن نقد كانت مصر ابان تلك الفترة موطنه وراعيته . وفي الوقت نفسه كتب كتابه الآخر « أم القرى » الذي تناول معظم موضوعات الكتاب الأول وإن بأسلوب مغاير ، إذ تخيل المؤلف وقائع مؤتمر عقده علماء مسلمون من أقطار شتى توخيا لبحث الفتور والتأخر ، بل الانحطاط الذي أصاب من جسم الأمة مقتلا . وقد ذهبت بعض الدراسات إلى حد اعتبار هذا المؤتمر صدى لجمعية فعلية كان الكواكبي أحد أعضائها . أيا كان الأمر فان الكواكبي قد توخى في كتابيه بحث قضية واحدة لا غير : الترقي - أسبابه والطرق الموصلة اليه . ( 1 ) وفي مصر ظلت عيون الحكم الاستبدادي تراقب الكواكبي وتترصده إلى أن تمكنت منه عام 1902 ، فمات مسموما على الأرجح وقد صودرت كتبه وأوراقه وبينها كما يقال مؤلفات كان يعمل على انهائها . وإذا كنا قد أشرنا إلى المناحي السياسية المرتبطة بواقع عصر الكواكبي والتي عانى منه هو شخصيا فذلك من أجل ربط نتاج مؤلفنا بعصره ليس إلا . إذ أن الأفكار الاصلاحية حتى منها ما سيردده الكواكبي كانت قد ابتدأت فعلا مع اعلام سبقوه كالأفغاني والطهطاوي وخير الدين التونسي ، وبسبب ظروف أخرى عاشتها مصر وعاشتها أقطار أخرى بما في ذلك قلب الحاضرة الإسلامية آنذاك ، أي مركز الدولة العثمانية . على سبيل الإشارة فقط يشار إلى اثر حملة نابليون وإلى دور الارساليات التبشيرية في لبنان وسوريا خاصة وإلى دور الجمعيات السياسية والعلمية التي انتشر قسم منها في الآستانة والتي رددت ودعت بعنف إلى التمثل بالإصلاح وبأفكار الثورة الفرنسية وبأفكار عصر الأنوار . كما دعت إلى تحديث الدولة . يضاف إلى ذلك جهاد محمد علي والي مصر وسعيه لتحديث الدولة وإدخال العلوم ، لا سيما الحربية والهندسية والطبية ، فكانت بعثاته حافزا على طلب المزيد من التقدم . هذا إلى جانب انتشار الدعوات القومية ودعوات الاستقلال الوطني . في ظل هذه الأوضاع على اختلافها كان الكواكبي المصلح . وما سنتعرض له فيما يلي ليس إلا تتبعا مكثفا لأفكاره السياسية والاصلاحية فنعرض عن التفاصيل التي نحيل إليها في كتابنا عن الكواكبي ، لنتعلق بجوهر مشروعه الاصلاحي . يلاحظ الكواكبي شان العديد من المصلحين ان الأزمة التي يعاني منها الشرق ، أزمة سياسية تولد عنها ما يعاني الناس في هذه الإمبراطورية المترامية الأرجاء من ضيق أو انحطاط أو فتور أو تأخر إلى ما هنالك من عبارات بعضها يأمل التخفيف ، وبعضها يذكر بماض وبعضها يدفع التشاؤم ليضع الأمل في تاريخ قريب يرجى معه الخلاص من كبوة اليوم . فبعد انتقاله إلى مصر من حلب وفي تقديمه لأولى مقالات كتابه « طبائع الاستبداد » يقول الكواكبي واضعا اليد على الجرح كما يقال : « . . . أقول وأنا مسلم عربي مضطر للاكتتام . . . انني هجرت دياري سرحا في الشرف وزرت مصر واتخذتها لي مركزا ارجع اليه مغتنما عهد الحرية فيها . . . فوجدت أفكار سراة القوم في مصر كما هي في سائر الشرق خائضة عباب البحث في المسألة الكبرى ، أعني المسألة الاجتماعية في الشرق عموما وفي المسلمين خصوصا . انما هم كسائر الباحثين ، كل يذهب مذهبا في سبب الانحطاط وفي ما هو الدواء » . ما يلاحظه الكواكبي بحق كان شغل العالم الإسلامي والمشرق العربي وما زال . وإذا كان كتابه الأول « طبائع الاستبداد » قد اعتبر الاستبداد سببا عاما اثر على كافة المناحي العلمية والتربوية والاقتصادية فأفسد السياسة وأفسد الأحوال ففي كتابه الآخر « أم القرى » كان الكواكبي أكثر وضوحا وأكثر تفصيلا - فاتى وعلى لسان المندوبين المتعددين على أكثر من سبب فاعتبر الجهل ، وفقدان الرابطة الدينية ، وفقدان الحرية والشورى ، أو الديمقراطية بمفهوم غربي أعم ، من جملة العوامل المؤدية لهذا التأخر الضارب في أرض الإسلام ولا سيما في مشرقه . علما ان المسألة لا تقتصر على العموميات فقط فقد وسع الكواكبي رأيه في الحرية المسلوبة ، أو الحرية المطلوبة لا فرق . فأشار إلى الحريات السياسية التي تغطي منهدمي الحق والواجب ، وتحدد السلطة وتفرض محاسبة الحاكم . وتحدث عن الحرية الشخصية بمعنى حرية الاختيار . وتحدث عن الحرية بالمعنى الاجتماعي ، بحيث يكون الإنسان آمنا في بيته ومسكنه وموطنه يتعامل مع أخيه الإنسان على نفس المستوي الذي يؤمن العدل والمساواة . هذا إلى جانب حرية التعليم حتى بلغ به الأمر إلى حد اعتباره « الحرية روح الدين ، فهي أعز شيء على الإنسان بعد حياته ، وبفقدانها تفقد الآمال وتبطل الأعمال وتحدث النفوس وتتعطل الشرائع وتختل القوانين » . ومن مستلزمات الحرية ، أو من المسائل المرافقة لها مسألة الشورى ، وهي مسألة أثارها الكواكبي كما أثارها سواه إلا أن توقف الكواكبي عند هذه النقطة كان هاما وحساسا . وتقضي الفكرة أساسا العودة لاستلهام روحية الدين الذي يدعو لجعل الأمر شورى بين المسلمين ووجوب استشارة أهل الحل والعقد ، إلى جانب استشارة أهل العلم . هذا من جانب . ومن جانب آخر يقضي الأمر إقامة مؤسسات سياسية أقرب ما تكون إلى البرلمانات الغربية التي تناقش الأمور وتبت بها وتكون حكما ووصيا على الدستور . بمعنى آخر لا بد من الخلاص من الحكم الفردي بامل إرساء نوع من الأمر الجماعي بحيث تكون السلطة محكومة بأكثر من رأي وموجهة من أكثر من مصدر . وقد لا يعني ذلك عودة الشورى كما مورست في استخلاف عثمان ( الخليفة الثالث ) من قبل عمر بن الخطاب ، بل إلى الروح التي قضت ان لا يكون الخيار فرديا ، بل جماعيا . بعبارات أخرى لا بد من فهم الإشارات السياسية كما فهمها السلف الصالح ، ذلك السلف الذي فهم جوهر الدين نظرية وممارسة ففهم معنى التوحيد ، وفهم معنى المشاركة . يقول الكواكبي : « فان هؤلاء الخلفاء الراشدين فهموا معنى ومغزى القرآن النازل بلغتهم وعملوا به واتخذوه اماما . فانشاوا حكومة قضت بالتساوي حتى بينهم أنفسهم وبين فقراء الأمة في نعيم الحياة وشظفها وأحدثوا في المسلمين عواطف اخوة وروابط هيئة اجتماعية اشتراكية لا تكاد توجد بين أشقاء يعيشون بإعالة أب واحد وفي حضانة أم واحدة ، لكل منهم وظيفة شخصية ، ووظيفة عائلية ووظيفة قومية . على أن هذا الطراز السامي من الرئاسة هو
--> ( 1 ) في هذه الفترة أيضا ، وضعت العديد من المؤلفات التي تحدثت عن تقدم الغرب وتأخر المسلمين . محاولة تلمس الأسباب لذلك .