حسن الأمين
129
مستدركات أعيان الشيعة
الطراز النبوي المحمدي الذي لم يخلفه فيه حقا غير أبي بكر ثم أخذ بالتناقص وصارت الأمة تطلبه وتبكيه من عهد عثمان إلى الآن ، وسيدوم بكاؤها إلى يوم الدين إذا لم تنتبه لاستعواضه بطراز سياسي شوري ، ذلك الطراز الذي اهتدت اليه بعض أمم الغرب ، تلك الأمم التي ، لربما يصح ان نقول ، قد استفادت من الإسلام أكثر مما استفاده المسلمون . ( 1 ) لن نعقب على النص بإفاضة في الشرح ، بل باستلهام المبدأ السياسي الذي يتضمنه . فالواضح جدا ان الكواكبي انما يقصد أولا مقارنة الأوضاع السائدة في عصره بما تحوي من ظلم وتعسف واستبداد ، اي من فلك سياسي عام بوضع سليم نموذجي ساد زمن النبي فالخلافة الراشدة . ولا يعني ذلك ضرورة كما فهم بعض الدارسين رغبة الكواكبي في استعادة منصب الخلافة ، أو في إعادته إلى العرب أيا كان الشكل الذي اقترح لذلك . ( 2 ) على أن ما نستنتجه هنا انما يتجه أول الأمر إلى ذلك النمط من الحياة حيث ساد الانسجام الكلي فترة الخلافة الأولى . الانسجام بين السلطة وبين العامة - الرعية . والانسجام يولد الهدوء والهدوء يولد التقدم وهذا ما حدث فعلا ولا مجال لإنكاره . وشرط الانسجام ، أو أحد مقوماته الدين ، الذي إذا ما طبق بشكل صحيح فسيقود حتما إلى هذا النوع من المساواة المنشودة بين السلطة وبين من تعمل من أجلهم . فالتساوي شرط الانسجام وبه تمامه . صحيح ان الكواكبي لم يتحدث عن السلطة باعتبارها مؤسسة سياسية تاريخية ظهرت في فترة محدودة وعليها ان تتطور تبعا للظروف التي قد تطرأ . ولذلك تبدو المساواة المنشودة أقرب إلى المساواة الطبيعية إذا جاز التعبير . فالناس متساوون امام الله ولذلك لا بد من التساوي فيما بينهم . فلذلك نجد غيابا للحديث عن مساواة بمعنى حقوقي أو قانوني الأمر الذي يفرض تحققها في كل الظروف التي تتوفر فيها مقوماتها . هذا ما يضفي على عبارات الكواكبي المصلح نوعا من الشمولية ومن الحنين ، الحنين إلى فترة سالفة ، إلى فترة تاريخية معينة . ولا يعني ذلك ان الكواكبي أحد دعاة السلفية الذين يجهدون لإعادة تطبيق نماذج بعينها ، نماذج لا مجال للحيدة عنها . بل إن الكواكبي ليقرر بما لا يدع مجالا للشك أن للسياسة الحكيمة ، السياسة التي اعتبرها علما مفقودا في الشرق ، أو جديدا عليه على الأقل ان لها أسسا أولها الشورى ، وثانيها المساواة وثالثها الاشتراكية . أما الشورى بنموذجها الأول ، وبالصورة التي يراد الاقتباس منها فتعني أولا الاحتكام إلى « الملأ » أو إلى أصحاب الحل والعقد . واحياء الشورى يعني احياء سنة لا بد منها بحيث لا يكون الحاكم الحكم الأول والأخير ، بشخصه وأخلاقه وتاريخه ، بل العدد الأوفر لمن تتوفر فيهم شروط العدالة ، والاتزان والعلم . يجهد الكواكبي بعد ذلك ليجعل من الشورى مبدأ سياسيا لا واقعة تاريخية ، الأمر الذي يكرسها مبدأ لا بد من استخدامه تحقيقا لأهداف عطلتها الممارسات اللاحقة ، عطلتها الاجتهادات اللاحقة أيضا ، خاصة تلك التي ارتبطت بفقهاء السلطة الذين يشن الكواكبي عليهم حملة شديدة : « وقد عدد الفقهاء من لا تقبل شهادتهم لسقوط عدالتهم فذكروا حتى من يأكل ماشيا في الأسواق ، ولكن شيطان الاستبداد أنساهم ان يفسقوا الأمراء الظالمين فيردوا شهاداتهم ، ولعل الفقهاء يعذرون بسكوتهم هنا مع تشنيعهم على الظالمين في مواقع أخرى ، ولكن ما عذرهم في تحويل معنى الآية : * ( ( ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) ) * إلى أن هذا الفرض هو فرض كفاية لا فرض عين ؟ والمراد منه سيطرة أفراد المسلمين على بعض ، لا إقامة فئة تسيطر على حكامهم كما اهتدت إلى ذلك الأمم الموفقة للخير ، فخصصت منها جماعات باسم مجالس نواب وظيفتها السيطرة والاحتساب على الإدارة العمومية : السياسية والمالية والتشريعية فتخلصوا بذلك من شامة الاستبداد » . ( 3 ) هنا تبدو أفكار الكواكبي بأنصع ما يكون . فهو يتخذ موقفا نقديا صحيحا . إن ما حدث كان خطا يجب ان لا يحدث ، وإن حدث فيجب ان لا يستمر . ان الامارة مسؤولية تقع على من تتوفر فيه شروط معينة لا من تضعه الأقدار موضع السلطة . كذلك تعكس هذه الأفكار صفحة صعبة من التاريخ السياسي والإسلامي ، بشقيه الفعلي كما حدث فعلا والتشريعي الذي رافق تسلسل الحكومات بالتبرير حينا وبالتخفيف من وطاتها حينا آخر . نعني بذلك ان سلطة الحاكم ، ومن أجل استمرارية الحكومة - أي استمرارية الدولة - كانت إلى حد ما على الدوام بمعزل عن النقد . ففي أكثر الأحيان كان شخص السلطان - الخليفة أو سواه - فوق مجال النقد . وفي حالات تفسح الدولة وظهور الدويلات المتعددة ظلت الألقاب تمنح يمينا وشمالا ، وظل التشريع السياسي يوجد المبررات . فتارة إمارة ضرورة ، وتارة امارة استيلاء ، وكان الحرص كل الحرص على وحدة الأمة وهو حرص له ما يبرره ، لكنه لم يكن دائما إلى جانب المصلحة العامة : ما قيل في الامارة قيل ما يوازيه في الوزارة إذ ميز الفكر السياسي بين وزير تفويض ووزير تنفيذ . وكان الأمر غالبا تشريع الحقبة التي سلفت وتبرير ما حدث فيها ، لا التنظير لحقبة ستلي . والشورى بتحققها توصل إلى المساواة المنشودة . المساواة الطبيعية حق كل إنسان بالتساوي مع أخيه الإنسان كما يتساوى الجميع امام رب الأكوان . ثم إن تامين الحرية بالشكل الذي أشرنا اليه أعلاه لا بد أن يكمل المساواة ويجعل منها لاحقا أو تحصيل حاصل . بل فطرة أو مبدأ به قوام الإنسان كإنسان . فالتعديل الذي يراه الكواكبي انما يقوم على المعادلة البسيطة المشار إليها وهي الأخوة في الإنسانية وهذا ما يقدم الوجه الإنساني على تاليفه وأبحاثه . وهذا ما يعطي إصلاحه أيضا صيغة سلمية ، بل مسالمة جدا ، إذا ما قارنا كل ذلك بنوع الصراع الاجتماعي العنيف الذي جعل الأغنياء في جانب وجعل الفقراء في جانب آخر ، ولا اعتقد أن مجرد الرغبة في المساواة ستؤدي فعلا إلى تحقيقها . وهذا ما يقودنا إلى المبدأ الاصلاحي الثالث . مبدأ الاشتراكية ، واستباقا لكل تأويل علينا أن لا ننظر إلى الاشتراكية من زاوية الفكر السياسي السائد في أيامنا وفي ما يعرف بالبلدان الاشتراكية والشيوعية . ان ما ينشده الكواكبي ليس إلا ملامسة الجانب الاجتماعي إذا جاز القول . اي البحث في الزاوية التي رأت في السياسة غير الحكمية ، السياسة الاستبدادية سببا أدى إلى تفاوت في تقسيم الثروة . بحيث تتجمع الثروة في يد فئة قليلة من الناس قد لا تزيد عن الخمسة بالمئة ، لكنها نسبة ترفع من نفوذ أصحابها إلى درجة يصبحون معها السادة المتحلمين في الإنتاج وفي الأسواق . والأقسى من ذلك ان المجال المفتوح للربح هنا هو المجال البعيد عن العمل المجدي . المجال القائم على « الغلبة والخداع » وهذا يعني انعدام العمل الذي يعتبر بحد ذاته أساس القيمة التي يجب ان تقاس الثروات بموجبة .
--> ( 1 ) راجع كتابنا طبائع الكواكبي ص 52 . ( 2 ) جعلت بعض الدراسات من الكواكبي رائد القومية العربية كما جعلت منه داعية سلفيا يريد إعادة الخلافة إلى قريش ونقل مركزها إلى الحجاز . راجع سليمان موسى : الحركة العربية . ( 3 ) الكواكبي : طبائع الاستبداد ص 146 .