حسن الأمين
127
مستدركات أعيان الشيعة
ويرى ان أعلى قمة في الاستبداد هو حكم الفرد المطلق ، وأن استمرار ذلك يعود إلى جهل الشعب والجيش ، والبقاء في ظل هذا الحاكم هو إعانة له ، وبذلك يدعو الكواكبي إلى الهجرة من مواطن الظلم ، ويرى ان الكلب الطليق خير من حياة الأسد المربوط . وفي الفصل الثاني من الكتاب يتعرض الكواكبي للاستبداد والدين ، ومحاولة استغلال الدين والتظاهر به ، وأن الجهل هو العامل المساعد لهذه اللعبة ، وأن الاستبداد الديني مرتبط بالاستبداد السياسي . وعن الاستبداد والعلم يصف الكواكبي العلم بالشمعة وقبسها من نور الله ، ويضع المستبد بالعلم في مرتبة الوصي الخائن القوي الذي يتصرف في أموال وأنفس الأيتام كما يريد وينوي دون أن يبلغوا الرشد والذي لا يتمنى أن يبلغوه ، وإن هذا المستبد أخشى ما يخشى تنور الشعب بالتأريخ والسياسة والفلسفة العقلية والحكمة النظرية . . وطبيعي أن يحدث صراع بين الحاكم والعلماء - غير المناقضين والمتملقين - يحاول الطرف الأول إطفاء ما ينوره الطرف الثاني وما من أمة انتشر فيها العلم إلا وسقطت قيود البغي والاستبداد . وعن المجد والاستبداد يفرق الكواكبي بين المجد والتمجيد والذي يراه هو استعباد بذاته ، والممجدون هم الساعون للرتب والنياشين وصورة الشعب أمام الحاكم ، ويخالف الكواكبي ابن خلدون فيما يرى أن إقدام البشر على الخطر إذا هدد مجدهم خطا . ويتفق مع أسماء بنت أبي بكر في رأيها ان صاحب الحق ان كان مقتنعا بحقه فعليه أن يقاتل حتى يموت ، وهذا ما قالته إلى ابنها في موقفه من الحجاج . أما عن الاستبداد والمال فيقول الكواكبي : « إن الاستبداد لو كان رجلا وأراد أن يحتسب وينتسب لقال : أنا الشر وأبي الظلم وأمي الإساءة وأخي القدر وأختي المسكنة وعمي الضر وخالي الذل وابني الفقر وبنتي البطالة وعشيرتي الجهالة ووطني الخراب أما ديني وشرفي وحياتي فالمال المال المال » . وعن الاستبداد والأخلاق يرى بان الاستبداد يفسد الأخلاق ويدفع المرء إلى محاولة الهجرة من الوطن ويؤدي كذلك إلى التخلخل الأسري وفي ظل الاستبداد الأخلاقي ينعدم الصدق ويعلو الرياء والنفاق . وحول الاستبداد والتربية يجد الكواكبي أن الاستبداد يؤدي إلى انحراف التربية الحقيقية وينحرف الناس عن الحقيقة وبالتالي يعيشون في قلق مستمر . وعلاقة الاستبداد بالترقي هي أن الاستبداد يحول دون ترقي الإنسان سواء في العلم أو المال أو القوة أو الصحة . ويدعو الكواكبي إلى التنور بالعلم حتى يستطيع الشعب أن يسقط المستبد . وقد أوضح الكواكبي أن الاستعمار لا يعدو عن كونه تاجرا يمتص دماء الشعوب فحسب ولا يهمه من أمر هذه الشعوب شيء . وينهي الكواكبي كتابه بالطرق التي يمكن بها التخلص من الاستبداد حيث يركز على عامل التعليم ويحذر بان المستبد مهما طال بقاؤه فان نهايته الزوال ويستشهد بقول القيادي : « لا يفرحن المستبد بعظيم قوته ومزيد احتياطه فكم من جبار عنيد جند له مظلوم صغير » . وإلى هنا اعزائي القراء أكون قد تعرضت إلى بعض الجوانب عن عبد الرحمن الكواكبي وإن كنت لم أتعمق فيها ولم أتعرض لكل الجوانب فيه فان أصبت فذاك من فضل ربي وإن قصرت فذاك من نفسي وما الكمال إلا لله . ( انتهى ) . الكواكبي المصلح الاجتماعي وننشر بعد ما تقدم كلمة للدكتور جورج كتورة تحدد معالم فكر الكواكبي : قال الدكتور جورج كتورة : يعتبر الكواكبي أحد أبرز وجوه عصر النهضة . أو العصر الذي اصطلح على اطلاق هذه الصفة عليه . وهو الفترة التي تلت نظريا عصرا طويلا من الانحطاط وفي المجالات المختلفة من أدبية وفكرية وسياسية واجتماعية . فبعد ابن خلدون الذي أرخ للفترة التي سبقته لا من الناحية الزمنية وحسب ، بل من الناحية الاجتماعية والفلسفية أيضا ، قلما نجد كتابات تعني بكشف الواقع وتسعى لإيجاد حلول مناسبة للأوضاع المتردية ، بل البالغة في التردي . حتى كتابات ابن خلدون مع ما حملت من تشخيص للأزمة السياسية المتردية منذ زمن طويل ، لم تستطع ان تحمل حلا فظل الوضع على حاله . ويزداد الوضع تفاقما في كل مرة يحاول مؤلف نهضوي مقارنة أوضاع محيطة بالأوضاع السائدة آنذاك في الغرب الذي حقق ثورته الصناعية إلى حد ما والذي شهد دفعا جديدا باتجاه الاكتشافات العلمية وتحويل العلم إلى تقنية تسهم بتحقيق مزيد من الرفاهية وبالتالي المزيد من الازدهار . علما ان التركيز على الايجابيات لا يعني إسقاط السيئات التي برزت عند ذاك إن على الصعيدين الأخلاقي - الأسري أو الدولي ، كالعلاقات بين الدول والتنافس التجاري والاقتصادي مع ما استتبع من حروب . والواقع أنه حين كان الحديث يدور على عصر النهضة في المشرق ، لم يكن الحديث هذا إلا آمالا يرجى معها تحقيق النهضة . فالوضع السياسي غاية في التردي والدولة العثمانية - وهي الدولة الأساس - راحت تفقد تدريجيا السيطرة على أطراف متعددة منها : إن في مصر أو في سوريا أو في البلقان ، أما الداخل وما تبقى لها فلم يعد حكما متماسكا إلا بقوة الأداة العسكرية وسيطرة نزعة الاستبداد الذي بلغ ذروته في العهد الحميدي وبوصول فئة من المتملقين أمثال أبي الهدى الصيادي إلى أعلى مراكز النفوذ ، الأمر الذي أتاح سيطرة سياسية أحكمت يدها على الحيوات كافة ، الأدبية والفكرية والاجتماعية . فكان ان أقفلت أفواه العديد من المطالبين بالإصلاح وبالحرية وبالتقدم . وكان ان انتهى منهم جمال الدين الأفغاني ( 1839 - 1897 ) شبه أسير في الآستانة ، ثم ما لبث ان لحقه آخرون أيضا ، أمثال عبد الله النديم ( 1845 - 1896 ) ليحل ضيفا يؤمن مأكله ومشربه ويشترى لسانه وسكوته ، رغما عنه كالأفغاني . ومن لم يحظ بعطف الدولة المشبوه والمقرون بكم الأفواه وتعليق الانتقادات يلاحق ويطرد من بلد إلى آخر ، حتى يقضي نحبه أو يقضى عليه . وهذا ما كان من شان مع الكواكبي . ولد عبد الرحمن الكواكبي عام 1848 في مدينة حلب من أسرة عريقة في نسبها وفي علمها وفي عملها . فنقابة الأشراف كانت فيها إلى فترات . ومن مآثرها إنشاء مدرسة أنفقت عليها من أوقاف خاصة بها . وفي « المدرسة الكواكبية » بدأ عبد الرحمن تحصيل أول دروسه ليتعلم فيما بعد من اللغات التركية والفارسية . وبعد دراسته التقليدية انكب على دراسة الكتب التاريخية والقانونية والسياسية وهكذا تعرف بشكل أوفى على الأوضاع السائدة لينتقل للعمل في مجالات متوازية . فكان قاضيا لفترة ورئيس بلدية لفترة أخرى . وحين لم يكن قاضيا كان محاميا ينصر الضعفاء ويساعد في حل الخلافات . وبين مرحلة وأخرى ، بل خلالها كان الكواكبي سياسيا ، بمعنى ان السياسة ظلت هاجسه الأول وقد عبر عن ميوله هذه عبر العمل الصحفي ، أكثر الأعمال التصاقا بالناس من جانب وبالسلطة من الجانب الآخر ، وكان