حسن الأمين

124

مستدركات أعيان الشيعة

السلطان سليم الثالث من إسلامبول اتصل بالينيجارية وأبلغهم رغبة السلطان بان يكفوا عن المذبحة في الاشراف ، وان يتصالحوا مع الوالي فسكنت الفتنة في حلب موقتا . ( 1 ) إلا أن الناس باتوا كالسكارى من هول المذبحة ، التي لم يشاهدوا مثالا لها من عهد التتر . وقد أثارت هذه المذبحة قريحة الشعراء فخلدوا ذكرها بشعرهم ، وكان أشهرهم الشيخ محمد أبو الوفاء الرافعي في قصيدته التي نقتطف منها الأبيات التالية : لا يامنن صروف الدهر إنسان ولا نوائبه فالدهر خوان فكم أباد من الماضين من ملك له بسطوته عز وسلطان كل المصائب قد تسلى نوائبها إلا التي ليس عنها الدهر سلوان هي المصيبة في آل الرسول فقد سارت باخبارها في الناس ركبان آووا لبعض بيوت الله من فرق من العدو وللأعداء عدوان فجاء قوم من الفجار تقصدهم بكل سؤلهم بغي وطغيان وكيف صح قديما عهد طائفة ضلت وليس لهم في القلب ايمان سلوا عليهم سيوف البغي واقتحموا كما تهجم جبار وشيطان وكل هذا وآل البيت ما رفعت لهم عليهم يد والرب ديان فلو سمعت عويل القوم من بعد إذ يستغيثوا لهدت منك أركان يا رب والدة كبت على ولد فمزقوه وما راقوا وما لانوا يا رب أرملة ريعت بصاحبها وحولها منه أيتام وصبيان أهذا جزاء رسول الله من فئة قلوبهم ملؤها اثم ونيران وله من قصيدة أخرى : الله أكبر من خطب له شان قد شاب من هول ذاك الخطب ولدان إذا الرسول ينادي عترتي ظلمت سلطانك اليوم لا يقهره سلطان يزيد سيدكم والشمر قائدكم إلى الجحيم فبئس الدار نيران وقال محمد الخسروي من قصيدة طويلة : أهكذا تفعل الإسلام في نفر المصطفى حبهم من قبل ما كانوا سلوا عليهم سيوف الغدر وابتدروا سلبا وقتلا وما دانوا ولا لانوا وكم مخدرة للوجه حاسرة يهتز من نوحها للعرش أركان يزيد أوصاكم في ذاك يا سفل بموت نسل النبي وهو ظمآن ؟ وقال فاضل بك الاستنبولي من قصيدة : يا مصطفى ان القلوب منغصة لبنيك في الشهباء حلت منقصة في جامع يدعى الطروش لقد غدت بدمائهم تلك الأماكن مقنصة فدماء أعداء الإله ثمينة ودماء أولاد الرسول مرخصة ولانت أولى بالجميع وهذه شكواهم رفعت إليك ملخصة من هو عبد الرحمن الكواكبي ؟ يرد المؤرخون أصل آل الكواكبي إلى سيدنا علي بن أبي طالب وأن رجلا اسمه ( على سياه پوش ) من أحفاد صفي الدين الأردبيلي جد الأسرة الصفوية التي حكمت إيران تزوج من حلبية وهو في طريقه إلى بلاد الروم ورجع إلى أردبيل ومنه بيت الكواكبي . ورد المؤرخون كذلك نسبهم إلى الإمام محمد الباقر . . وأول من اشتهر بالكواكبي هو أبو يحيى الكواكبي . . « وعرف بالكواكبي لاتصال أحد أسلافه بال الكواكبي من جهة النساء المعروفين عندنا بعراقة النسب » . وقيل إنه عرف بالبيري نسبة إلى بلدة ( البيرة ) وعرف بالكواكبي لأنه في البداية كان يشتغل بالمسامير الكواكبية ثم دخل الصوفية وفتح الله له الطريق وتوفي هذا الرجل عام 897 هودفن في أحد أحياء حلب بمكان يسمى الآن جامع الكواكبي . كانت أسرة الكواكبي أسرة متعلمة وأهل دين وورع وزهد وكرم وشرف ، وولد أحمد بهائي بن محمد بن مسعود الكواكبي وهو والد شخصيتنا - عبد الرحمن الكواكبي - ولد عام 1245 هوتلقى علومه في حلب وعرف بالذكاء والأخلاق وخلف وراءه ولدين أحدهما عبد الرحمن الذي ولد عام 1271 ه‍ - 1854 م بحلب حسبما أورده الدكتور سامي دهان في كتابه عن عبد الرحمن الكواكبي ويتفق في ذلك مع المستشرق الفرنسي ( نور بيرتا بييرو ) . وأذكر هنا ان خطا مطبعيا قد وقع فيه الدكتور محمد عبد الرحمن برج في كتابه حول عبد الرحمن الكواكبي حيث ذكر انه - الكواكبي - قد ولد عام 1848 م . . ولكن الكواكبي جريا منه وراء دخول الانتخابات التركية قد غير تاريخ ميلاده إلى 1265 هالموافق 1848 م أورد ذلك ابنه د . أسعد الكواكبي . توفيت والدة الكواكبي عام 1859 م وعمره ست سنوات وبذلك فقد حنان الأمومة حيث أرسله والده إلى خالته السيدة صفية بنت مسعود في تركيا ومكث هناك سنوات ثلاثا تعلم فيها التركية وبعض المعارف ثم عاد إلى حلب حيث والده الذي ألحقه بمدرسة الشيخ طاهر الكلزي ، فتعلم بعض العلوم في التركية والفارسية والعربية ثم عاد ثانية إلى أنطاكية وعمره 11 سنة فكان يدرك الأشياء ويتأثر بجمالها وهنالك بقي عاما دخل فيه مدرسة خصوصية ثم عاد إلى حلب ودخل المدرسة الكواكبية التي كان والده مدرسا فيها ومديرا لها وهنالك اتقن التركية والفارسية تكلما وكتابة ، وداوم على القراءة والاطلاع حتى بلغ سن العشرين مكتسبا حصيلة من المعلومات القيمة ، ولما وصل إلى 22 من عمره التحق كمحرر غير رسمي « ما يسمى اليوم بالمتعاون » بجريدة « فرات » وهي الجريدة الرسمية التي تصدر عن الحكومة التركية بالعربية والتركية ، وقد [ و ] كان محرروها من ذوي المقدرة والاطلاع ، ولم يمض عام حتى ألحق كمحرر رسمي بالجريدة ، غير أن الأيام لم تطل حتى أنشا جريدة عام [ 1778 ] 1877 م باسم ( الشهباء ) . وتعتبر الشهباء أول جريدة عربية تصدر في حلب وأخذت الشهباء توجه الانتقادات إلى المسؤولين وعلى رأسهم السلطان عبد الحميد ، وما كان ليرضى السلطان هذا الخط ، الأمر الذي جعل الصحيفة تموت عند العدد 15 ، ولكن الكواكبي لم ييأس فعاود الكرة من جديد عام 1879 م حيث أنشا جريدة أخرى باسم « الاعتدال » ولكنها بامتياز سعيد بن علي شريف ، غير أنه كما ألغى كامل باشا الجريدة الأولى ألغى جميل باشا رئيس الوزراء العثماني الجريدة الثانية . . كل ذلك لأن ما جاء به الكواكبي لم يكن مألوفا في تلك الآونة من جرأة ونقد لاذع لصور الفساد في البلاد وكان المقصود بعملهم ذاك أن يسدوا الطريق أمام غيره من الشباب . ولما بلغ الكواكبي 25 من عمره عين عضوا فخريا في لجنتي المعارف والمالية ، ثم عضوا في الأشغال العامة ، ثم رئيسا لقلم المحضرين في ولاية حلب ، ثم عضوا فخريا في لجنة امتحان المحامين . وفي عام 1881 م عين عضوا فخريا في مطبعة ولاية حلب ثم رئيسا فخريا كذلك للجنة الأشغال العامة . وفي 1886 م عين مأمورا للاجراءات في حلب . وقد كان في كل هذه المناصب عاملا مثابرا مخلصا شجاعا في قول الحق مما جعل الدولة تراقب أعماله وخاصة حينما علم جميل باشا والي حلب بان ما يكتب في صحف الآستانة وبيروت كان بتحريض من الكواكبي . أبى الكواكبي هذه المعيشة واستقال من الوظيفة الحكومية عام

--> ( 1 ) ذلك لأن الفتنة تكررت في أيام خورشيد باشا وانقلبت إلى ثورة عارمة .