حسن الأمين
125
مستدركات أعيان الشيعة
1886 م وفتح مكتبا للمحاماة يدافع عن المظلومين ويأخذ بأيديهم ، فقد كان مكتبه منتدى للمظلومين الذين يفتح الطريق في وجوههم ، وقد كان الكواكبي مصدرا رجع اليه المبعوث من الآستانة والذي جاء للتحقيق في خلاف بين والي حلب وقنصل إنجلترا ، فكان المندوب يجتمع بالكواكبي سرا ويأخذ منه المعلومات الصادقة حتى كانت النتيجة عزل القنصل عن حلب ، وبذلك أثبت الكواكبي أنه لا يطلب غير الحق ولا يقول سواه حتى ولو كان على عدوه . . واتسعت الشقة بين الكواكبي ووالي حلب بما وشاه الواشون حتى فكر الوالي في وسيلة للقضاء بها على الكواكبي ، ولما أحس الكواكبي بذلك قرر الرحيل إلى إستانبول ، غير أن الوالي منعه وسلط رجاله لمراقبته ومراقبة المترددين عليه والذين كانوا من المظلومين الذين يكتب لهم العرائض . ولما كثرت العرائض والشكاوى أرسل السلطان صاحب بك إلى حلب ليحقق في تلك العرائض ويقال انه بقي مع لجنته شهرين ينظرون في شكاوى كانت مكتوبة بيد الكواكبي . صادف ان أطلقت النار على الوالي من قبل محام أرمني فأصابه ولم يقتله ، عندها اعتقل الكواكبي وجماعته توقعا بأنه كان وراء الحادث ، غير أنه في النهاية نقل الوالي إلى الحجاز وحل محله عثمان باشا الأعرج والذي كان يحمل على كرسي نتيجة لعجزه . وبعد مجيء هذا الوالي عين الكواكبي رئيسا للبلدية ثم عزل ، وبعض الآراء ترى أن الكواكبي وقع ضحية مكيدة كادها له الوالي فسجنه ثم برأته المحكمة . وأثناء تعيينه رئيسا للبلدية عام 1892 م أثبت عبقريته ووسع اطلاعه وأعماله الكثيرة ومشاريعه المتعددة . ولما عاد عثمان باشا إلى حلب مرة ثانية عين الكواكبي عام 1892 م رئيسا لغرفة التجارة والمصرف الزراعي فقام بعمله على خير ما يكون القيام ولكنه استقال فيما بعد وسافر إلى إستانبول للسياحة ثم انزوى ولم يسمع بقدومه أحد حتى بعث إلى أبي الهدى الصيادي الذي أحضره إلى منزله واغتبط بوصوله ، وبعد أشهر رجع الكواكبي إلى حلب حيث اشتغل في الالتزام في إدارة الريجي ، وبذلك زاد حب الشعب له وثقتهم فيه وفي عام 1894 م عين رئيسا لكتاب المحكمة الشرعية بحلب فنظمها ومنع اختلاط الرجال بالنساء غير أن بقاءه فيها لم يستمر سوى عامين وتالب عليه الحساد والأعداء فنقل رئيسا للجنة البيع في الأراضي الأميرية ، وازداد حب الشعب له في الوقت الذي زاد غضب أعدائه وحساده . وقد تظاهر الكواكبي بالسفر إلى إستانبول في الوقت الذي كان عازما على السفر إلى مصر حيث كان في ذهن أصدقائه أنه مسافر إلى إستانبول ولم يشعروا إلا ومقالاته في صحف مصر ، وهناك تقرب منه بعض الأتراك متظاهرين بالصداقة ولكنهم في الواقع جواسيس عليه ، وقد التقى في مصر مع كثير من الكتاب والأدباء وأخذ ينشر مقالاته في صحف مصر كما أخذ نجمه في اللمعان بين الناس وخصوصا أثناء نشر كتابه ( أم القرى ) الذي ألفه أثناء وجوده بحلب . . وقد نشر الكواكبي - بدون توقيع - مقالات حول الاستبداد وقد كان لتلك المقالات صدى عميق لدى القراء المعجبين دون أن يعرفوه . . ولما كان الخديوي عباس الثاني يتوق إلى الخلافة فقد استدعى الكواكبي من أجل أن يمهد أمامه الطريق بالدعاية مقابل أجر شهري مقداره ( 50 جنيها مصريا ) وبدأ الكواكبي رحلته الدعائية في عام 1901 م وعمره لا يزيد على 49 سنة فاتجه إلى اليمن ثم إلى الهند وشرق إفريقيا وطاف مصر والسودان ، والحبشة ووصل إلى منطقة باكستان الحالية . وقد دامت تلك الرحلة حوالي ستة أشهر عاد بعدها إلى القاهرة بمعلومات وفيرة وكان ينوي القيام برحلة أخرى إلى المغرب غير أن المنية عاجلته وانتقل إلى رحمة الله بعد أشهر ثلاثة من عودته حيث توفي مساء الخميس 14 يونية 1902 م الموافق 5 ربيع الأول 1320 هعن عمر يناهز الخمسين عاما . . غير أن د . محمد عمارة في كتابه « الأعمال الكاملة لعبد الرحمن الكواكبي » يرى أن الكواكبي مات مسموما من قبل عميل عثماني . ولما علم الخديوي عباس بوفاته أمر أن يدفن على نفقته حيث دفن في سفح المقطم ، غير أن رفاته نقلت مؤخرا إلى مقبرة خاصة بمشاهير العلماء بمنطقة باب الوزير ، وقد كتبت على القبر أبيات للمرحوم حافظ إبراهيم : هنا رجل الدنيا هنا مهبط التقى هنا خير مظلوم هنا خير كاتب قفوا واقرأوا أم الكتاب وسلموا عليه فهذا القبر قبر الكواكبي وقد تأثر لوفاته كل الأصدقاء والأحباب وكتبت الصحف مقالات طويلة عن حياته وماثره . غير أن الأستاذ عباس محمود العقاد في كتابه ( عبد الرحمن الكواكبي ) لا يوافق أن يكون الكواكبي قد ذهب في رحلته مدفوعا من الخديوي إسماعيل ويعتمد في ذلك على ما ذكره أحد الذين يعرفون الكواكبي والذي أبلغه أن الكواكبي كان يدعو لنفسه . وقد كان الكواكبي عازما على أن يخرج رحلته تلك في كتاب غير أن المنية لم تمهله . . كانت بداية النهضة الفكرية العربية في بلاد الشام في منتصف القرن التاسع عشر حين ظهرت الإرساليات التبشيرية والتي يحركها المستشرقون الأوروبيون ، وكان لفرنسا السبق في ذلك حين أنشأت أول مركز للثقافة الفرنسية عام 1734 م وأدخلت أول مطبعة إلى المنطقة في حلب عند بداية القرن الثامن عشر . . ودخل التنافس بين المبشرين الفرنسيين والبروتستانت الأمريكيين حيث فتح الأمريكيون المدارس ، فما من منطقة تقيم بها احدى الطائفتين مدرسة حتى تسرع الثانية لانشاء مثيلتها . . وقد أدت الرحلات والهجرة والمدارس والتجارة إلى تثبيت الثقافة الأوروبية بالمنطقة ، الأمر الذي أدى إلى ظهور أعلام ينادون بضرورة بعث الأدب العربي القديم . وقد ترتب على ذلك أيضا انقسام المفكرين إلى قسمين : قسم يرى أن إدخال الحضارة الغربية سيؤدي إلى القضاء على الحضارة الإسلامية ويطفو فوقها ، وفريق آخر لا يرى مانعا من الاقتباس من الحضارة الغربية والأخذ منها ما يناسب الحال . ويبرز أمامنا أساتذة اجلاء من رواد الفكر الإسلامي أمثال جمال الدين الأفغاني والشيخ محمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي . وكان الأفغاني ينشد مجتمعا اسلاميا صافيا عقيدة وصفات ونظاما سياسيا وكذلك كان الكواكبي يطمح إلى مجتمع اسلامي مع التركيز على أهمية العرب فيه ، فالأفغاني يرى « أنه لا جامعة لقوم لا لسان لهم ، ولا لسان لقوم لا آداب لهم ولا عز لقوم لا تاريخ لهم ولا تاريخ لهم إذا لم يقم منهم من يرى آثار رجال تاريخهم فيعمل عملهم وينسج على منوالهم » . ويرى الكواكبي أن قيادة أمة الإسلام تكون للعرب ويحصرها في عرب الجزيرة ويخصصها في قريش ، ويرى كذلك أن عدم استعراب العثمانيين ساعد على فشلهم وان العثمانيين قدموا الدولة على الدين والملك على العقيدة ، بينما يرى الأفغاني أن صلاح أحوال الأمة الإسلامية يكون على يد الدولة العثمانية وندد بالسياسة الأوروبية ، وقد قال الكواكبي مناشدا أبناء العرب « كان أجدادكم لا ينحنون إلا ركوعا لله وأنتم تسجدون لتقبيل أرجل