حسن الأمين

123

مستدركات أعيان الشيعة

من بقاع شتى ليؤلفوا القطعات العسكرية الخاصة بالسلطان ، فقد كانوا يقيمون في الأحياء خارج السور ، وعلى الأخص في أحياء : قارلق وآق يول وقاضي عسكر وبانقوسا . إلا أن سكنهم في هذه الأحياء لم يكن ليمنعهم من دخول المدينة لشتى الدواعي ، ولعل وجودهم الاضطراري خارج المدينة ، التي كانت تضم احياؤها الأسر الحلبية العريقة ، وخصوصا أسر الأشراف المنتسبين إلى آل البيت ، الذين عرفوا ب « الطالبيين » ، وكانوا في نظر الجماهير الحلبية في قمة الاحترام والتفضيل . وكان يعز على ( الينيجارية ) ان يميز أهل حلب الشريف على « الينيجاري » . لهذا عمدوا دوما إلى افتعال الأزمات السياسية وإشعال الفتن ليتسنى لهم التدخل ، برضاء الوالي أو من دون رضائه . وأول فتنة عرفناها بحلب بين « الأشراف » و « الينيجارية » ، صادفت وقتا عصيبا اشتكى فيه الأهالي من زبانية السوق السوداء بعد ارتفاع الأسعار ارتفاعا فاحشا أدى إلى أضعاف الطبقة الفقيرة ، وإفقار الطبقة الوسطى . ولا بد أن تكون للانكشارية « الينيجارية » - وهم المسيطرون العسكريون وقتئذ - اليد الطولى في رواج السوق السوداء ، مما أثار عليهم نقمة الأهالي . وكانت العادة ان يلجا أهل حلب إلى « السادة » أي « الأشراف » يشكون إليهم مصائبهم ، ويستجيرون بهم . ومن هنا كان تدخل هؤلاء في شؤون الأهالي . وكان نقيب أشراف حلب يومئذ : السيد أحمد بن أبي السعود الكواكبي ( 1130 - 1197 ه‍ 1717 - 1783 ) . وبسبب تدخل نقابته ، أقدم الينيجارية على الاعتداء على من يشاهدونه من الأشراف فقتلوا منهم الشريف السيد احمد أخا شيخ الدقاقين في البلد ، وجرحوا بضعة أشراف ، وهربوا ولاذوا بأمير لواء الموالي ، الذي حماهم ولم يرضخ لطلب الأشراف والأعيان بحلب بتسليمهم . ( 1 ) وأدت هذه الفتنة إلى عزل الوالي الحاج إبراهيم باشا القاطر آغاسي وتعيين عبدي باشا مكانه ، فكان ظلوما عسوفا ، انتصر لجيش الينيجارية وعاث في البلد واستباح الحرمات ، وخاصة في مدينة كلس التابعة إلى حلب ، وأما في حلب فقد قطع رأس احمد الخنكارلي والد متسلم حلب ، إذ قبض عليه بحيلة دنيئة بوساطة اتباع أرسلهم اليه كضيوف وهم من الينيجارية ، ثم قبض على ابنه ، محمد وعلى نقيب الأشراف السيد احمد الكواكبي ، فأخرجا مع الرأس المقطوع إلى ناحية إعزاز شمالي حلب حيث قيدوا المتسلم مع رأس أبيه في خيمة ، وأما النقيب أحمد الكواكبي ، فقد عين معه بيارق ( 2 ) ونقله منفيا إلى قلعة البيرة ، وعين في مكانه نقيبا للأشراف ، لطوف بك عادلي زاده طوقتكين الأرناؤطي ، وعين متسلما جديدا من الينيجارية هو كوجوك علي آغا زاده محمد سعيد آغا ، الذي أقام في تكية الشيخ أبي بكر الوفائي ، وأمر زبانيته بنهب بيوت الأكابر والمشايخ ، والأشراف ، والأعيان ، من المسلمين ومن أهل الذمة ، فراحوا يشربون الخمور ويتعاطون الزنا واللواط والفسق علنا ، وجاؤا إلى محلة باب النصر ، وتفقدوا الدور العظيمة وأخرجوا أصحابها وطردوهم ولو كانوا من النساء وصادروها ، ومنها الدار العظيمة التي كان السيد احمد الكواكبي قد باشر في بنائها على أنقاض سراي جنبلاط ودور بني عبد السلام ، فصادرها قبل اكتمال بنائها ( 3 ) والزم النصارى ببيعه ألف غنمة لقاء 16 كيسا ( والكيس فيه خمسمائة قرشل ) والزم اليهود بتسعمائة غنمة بنفس السعر . وفي آخر محرم 1195 هكانون الثاني ( يناير ) 1781 م حل عثمان باشا البلد مع عسكره وطرد عسكر عبدي باشا ، من بيوت الأكابر وخصوصا بيوت عمر أفندي وجلبي أفندي وطرابلسي أفندي وكواكبي زاده وبيت الزعيم . وكانت بينه وبين عبدي باشا وقائع كثيرة انتهت بعزل عبدي باشا وبإعادة الأموال المصادرة إلى أصحابها . وفي عام 1206 ه‍ - 1791 م ثار بطال آغا زاده نوري محمد آغا - وهو من زعماء الأكراد - في عين تاب ( المعروفة باللغة التركية ب « عنتاب » ) وهاجم الينيجارية ، وساعده الأشراف في ثورته . فاستولى على قلعة عين تاب ورممها وأقام فيها . إلا أن السلطة في إسلامبول ، أمرت والي حلب كوسا مصطفى باشا بان يتجه اليه ويحاربه ، فوصل الأمر إلى الوالي وهو هارب من أهل حلب الذين كانوا هم أيضا قد ثاروا عليه وعلى السلطة وأخرجوه من المدينة هو وعسكره ، فاتجه بعسكره الينيجارية إلى عين تاب حسب الأمر وحاصر قلعتها خمسة أشهر نفذت خلالها المئونة والذخيرة فاستسلم بطال آغا فقبضه وقطع رأسه مع خمسة وعشرين رأسا ، أرسلها إلى إسلامبول . ومرت سنتان . حتى إذا كانت سنة 1208 ه‍ - 1793 م ( على ما أثبت جودت في تاريخه ج 6 ) ولم تكن الفتن بين السادة الأشراف ومعهم الأسر الحلبية وبين الانكشارية لتنقطع ، فاستولى هؤلاء على منافع البلد وما جاوره من بلاد وعاثوا في الأرض فسادا بصورة أزالت نفوذ الولاة من البلاد ، وحالوا دون إقامة الأحكام الشرعية . وكانت سلطة الدولة ضعيفة بسبب الحرب الروسية التي انتهت في 1206 ه‍ - 1792 م . حتى إذا كان منتصف عام 1208 ه‍ - مطلع سنة 1793 م عين السلطان سليم الثالث ، واليا جديدا على حلب هو ترنج زاده سليمان فيضي باشا فراح هذا يحاول إعادة تنظيم شؤون البلد وإصلاح ذات البين بين فئتي الأشراف والينيجارية . إلا أن هؤلاء لم يكونوا ليرضخوا إلى سلطة أي وال ، فأقدم بعضهم على التعرض إلى أحد وجهاء المدينة محمد أفندي الغوري فما زالوا يضربونه ويهينونه حتى قتل من دون أي سبب أو ذنب ارتكبه . وانما رغبة منهم في إشعال نار الفتنة . ولما حاول الوالي سليمان باشا معاقبة المعتدين عصي عليه الانكشارية فهرب إلى خارج البلدة ، وأقام في بعض بساتينها ، وكتب يشكو الأمر إلى السلطان في إسلامبول ويشرح حاله مع الينيجارية المحسوبين دوما على السلطان . انتهز الينيجارية فرصة خروج الوالي ، فتعرضوا في حي ساحة الملح إلى بعض رجال الأشراف الذين كانوا مارين امام جامع الأطروشي وانقضوا عليهم يريدون ان يفعلوا بهم ما فعلوه بمحمد أفندي الغوري فهرب الأشراف إلى داخل الجامع واوصدوا بابه ، وترسوه بالحجارة الضخمة ، فأحرق الينيجارية الباب بعد أن صبوا عليه القطران فاتت النار عليه ( ولا تزال آثار الحريق باقية حتى يومنا هذا ) . واقتحموا الجامع . فهرب الأشراف إلى المئذنة فلحقوا بهم فألقوا بأنفسهم إلى السطح ، ومنه إلى سطح الميضاة فصعدوا إليهم ، وقبضوهم ، وقيدوهم ، وبالوا في أفواههم ، ثم ذبحوهم ذبح النعاج كل أمام صاحبه . وسالت دماؤهم في مصلى الجامع . وحالوا من دون وصول نجدة من أهل المدينة إليهم . ودب الذعر بين الناس ، وكادت المذبحة تنتقل إلى داخل المدينة لولا وصول وفد رسمي من قبل

--> ( 1 ) تلاحظ أن تعاونا خفيا لم اعرف أسبابه كان يجري بين أغوات الانكشارية وبين عشائر البدو . ولقد تكرر ذلك في حادثة قومة البلد عام 1850 إذ كان عبد الله البابنسي وهو من السكمانية الينيجارية يعتمد على عشائر البدو في تلك الحادثة . ( 2 ) حينما ينفى رجل من كبار الشخصيات إلى خارج المدينة كانوا يرسلون معه جنودا تحمل اعلاما ( بيارق ) رسمية تشير إلى أن سوقهم هذا الشخص للنفي انما هو بأمر الدولة . ( 3 ) وهي الدار الجارية حتى الآن في وقف احمد الكواكبي قطنها بعد ذلك آل إبراهيم باشا باعتبارهم من ورثة جدتهم ، أضحت الآن مدرسة ، وتنسب خطا إلى جنبلاط لأن سراي جنبلاط لم يبق لها إلا اثر في أساسات البناء .