حسن الأمين
74
مستدركات أعيان الشيعة
قال : لما نزل ابن الحضرمي ببني تميم أرسل إلى الرؤس فأتوه ، فقال لهم : أجيبوني إلى الحق وانصروني على هذا الأمر ، وإن الأمير بالبصرة - يومئذ - زياد بن عبيد قد استخلفه عبد الله بن عباس وقدم على علي ( ع ) إلى الكوفة يعزيه عن محمد بن أبي بكر قال : فقام إليه صحار فقال : إي والذي له أسعى ، وإياه أخشى لننصرنك بأسيافنا وأيدينا . وقام المثنى بن مخربة العبدي ( 1 ) فقال : لا ، والذي لا إله إلا هو لئن لم ترجع إلى مكانك الذي أقبلت منه لنأخذنك بأسيافنا وأيدينا ونبالنا وأسنة رماحنا ، أنحن ندع ابن عم نبينا وسيد المسلمين وندخل في طاعة حزب من الأحزاب طاغ ! والله لا يكون ذلك أبدا حتى نسير كتيبة إلى كتيبة ونفلق الهام بالسيوف . قال : فاقبل ابن الحضرمي على صبرة بن شيمان الأزدي ( 2 ) فقال : يا صبرة أنت رأس قومك وعظيم من عظماء العرب وأحد الطلبة بدم عثمان ، رأينا رأيك ، ورأيك رأينا ، وبلاء القوم عندك في نفسك وعشيرتك ما قد ذقت ورأيت ، فانصرني وكن من دوني ، فقال له : إن أنت أتيت فنزلت في داري نصرتك ومنعتك ، فقال : إن أمير المؤمنين معاوية أمرني أن أنزل في قومه من مضر ، فقال : اتبع ما أمرك به . وانصرف من عنده . وأقبل الناس إلى ابن الحضرمي فكثر تبعه ففزع لذلك زياد وهاله وهو في دار الامارة فبعث إلى الحضين بن المنذر ( 3 ) ومالك بن مسمع ( 4 ) فدعاهما فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : أما بعد فإنكم أنصار أمير المؤمنين وشيعته وثقته وقد جاءكم هذا الرجل بما قد بلغكم فاجيروني حتى يأتيني أمر أمير المؤمنين ورأيه ، فاما مالك بن مسمع فقال : هذا أمر لي فيه نظر ، فارجع إلى من ورائي وانظر وأستشير في ذلك وألقاك ، وأما الحضين بن المنذر فقال : نعم ، نحن فاعلون ولن نخذلك ولن نسلمك ، فلم ير زياد من القوم ما يطمئن إليه . فبعث إلى صبرة بن شيمان الأزدي فقال : يا ابن شيمان أنت سيد قومك وأحد عظماء هذا المصر فان يكن فيه أحد هو أعظم أهله فأنت ، أفلا تجيرني وتمنعني ؟ وتمنع بيت مال المسلمين ؟ - فإنما أنا أمين عليه ، فقال : بلى ، إن أنت تحملت حتى تنزل في داري منعتك ، فقال له : إني فاعل فحمله ثم ارتحل ليلا حتى نزل دار صبرة بن شيمان وكتب إلى عبد الله بن عباس ، ولم يكن معاوية ادعى زيادا بعد لأنه إنما ادعاه بعد وفاة علي ( ع ) . بسم الله الرحمن الرحيم للأمير عبد الله بن عباس من زياد بن عبيد ( سلام عليك ) ، أما بعد ، فان عبد الله بن عامر الحضرمي أقبل من قبل معاوية حتى نزل في بني تميم ، ونعى ابن عفان ، ودعا إلى الحرب فبايعه جل أهل البصرة فلما رأيت ذلك استجرت بالأزد بصبرة بن شيمان وقومه لنفسي ولبيت مال المسلمين ، فرحلت من قصر الامارة فنزلت فيهم وأن الأزد معي ، وشيعة أمير المؤمنين من سائر القبائل تختلف إلى ، وشيعة عثمان تختلف إلى ابن الحضرمي ، والقصر خال منا ومنهم ، فارفع ذلك إلى أمير المؤمنين ليرى فيه رأيه ويعجل علي بالذي يرى أن يكون فيه منه ، والسلام . قال : فرفع ذلك ابن عباس إلى علي ( ع ) فشاع في الناس بالكوفة ما كان من ذلك ، وكانت بنو تميم وقيس ومن يرى رأي عثمان قد أمروا ابن الحضرمي أن يسير إلى قصر الامارة حين خلاه زياد ، فلما تهيأ لذلك ودعا له أصحابه ركبت الأزد وبعثت إليه وإليهم : إنا والله لا ندعكم تأتون القصر ، فتنزلون به من لا نرضى ومن نحن له كارهون حتى يأتي رجل لنا ولكم رضى ، فأبى أصحاب ابن الحضرمي إلا أن يسيروا إلى القصر و [ أبث ] ابعث الأزد إلا أن يمنعوهم ، فركب الأحنف فقال لأصحاب ابن الحضرمي : إنكم والله ما أنتم بأحق بقصر الامارة من القوم ، وما لكم أن تؤمروا عليهم من يكرهونه ، فانصرفوا عنهم ، ثم جاء إلى الأزد فقال : إنه لم يكن ما تكرهون ولن يؤتى إلا ما تحبون فانصرفوا - رحمكم الله - ، ففعلوا . وعن الكلبي أن ابن الحضرمي لما أتى البصرة ودخلها نزل في بني تميم في دار سنبل ( 5 ) ودعا بني تميم وأخلاط مضر ، فقال زياد لأبي الأسود الدئلي : أما ترى ما صنع أهل البصرة إلى معاوية وما في الأزد لي مطمع ، فقال : إن كنت تركتهم لم ينصروك وإن أصبحت فيهم منعوك ، فخرج زياد من ليلته وأتى الأزد ونزل على صبرة بن شيمان فاجاره فبات ليلته فلما أصبح قال له صبرة : يا زياد ليس حسنا بنا أن تقوم فينا مختفيا أكثر من يومك هذا ، فاتخذ له منبرا وسريرا في مسجد الحدان ( 6 ) وجعل له شرطا وصلى بهم الجمعة في مسجد الحدان . وغلب ابن الحضرمي على ما يليه من البصرة وجباها ، واجتمعت الأزد على زياد فصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : يا معشر الأزد أنتم كنتم أعدائي فأصبحتم أوليائي وأولى الناس بي ، وإني لو كنت في بني تميم وابن الحضرمي فيكم نازلا لم أطمع فيه أبدا وأنتم دونه ، فلا يطمع ابن الحضرمي في وأنتم دوني ، وليس ابن اكلة الأكباد في بقية الأحزاب وأولياء الشيطان بأدنى إلى الغلبة من أمير المؤمنين علي في المهاجرين والأنصار ، وقد أصبحت فيكم مضمونا ، وأمانة مؤداة ، وقد رأينا وقعتكم يوم الجمل فاصبروا مع الحق كصبركم مع الباطل فإنكم لا تحمدون إلا على النجدة ، ولا تعذرون على الجبن . فقام شيمان أبو صبرة ولم يكن شهد يوم الجمل ، وكان غائبا ، فقال : يا معشر الأزد ما أبقت عواقب الجمل عليكم إلا سوء الذكر ، وقد كنتم أمس على علي ( ع ) فكونوا اليوم له واعلموا أن إسلامكم جاركم ذل
--> ( 1 ) المثنى بن مخربة - كمرحلة - العبدي من التوابين الذين خرجوا مع سليمان بن صرد في ثلاثمائة من أهل البصرة ثم رجع بعد ذلك ودعا لبيعة المختار بن أبي عبيد في البصرة وخرج معه ( انظر تاريخ الطبري 6 / 66 حوادث سنة 66 ) . ( 2 ) صبرة - بفتح الصاد المهملة وكسر ألباء - ابن شيمان الأزدي : كان رأس الأزد يوم الجمل مع عائشة ( الإصابة حرف الشين ق 3 بترجمة شيمان بن عكيف ) . ( 3 ) حضين - بضاد معجمة مصغرا - ابن المنذر الرقاشي - بتخفيف القاف - أبو محمد ، وأبو ساسان حامل راية أمير المؤمنين ( ع ) يوم صفين ، دفعها إليه وهو ابن تسع عشرة سنة مات على رأس المائة ( انظر تقريب التهذيب وكتاب صفين لنصر بن مزاحم ص 325 وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد م 1 / 495 ) . ( 4 ) مالك بن مسمع كان رأيه مائلا إلى بني أمية ، وكان مروان لجا إليه يوم الجمل ، وكان يأمر الناس بعد واقعة الطف بتجديد البيعة ليزيد بن معاوية ( انظر تاريخ الطبري 5 / 110 حوادث سنة 38 ) . ( 5 ) في الأصلين « سنبيل » تصحيف قال في تاج العروس في ابن سنبل - بالكسر - ويقال بالصاد أيضا أحرق جارية بن قدامة وهو من أصحاب علي رضي الله تعالى عنه وخمسين رجلا من أهل البصرة في داره « . ( 6 ) الحدان - بالضم - إحدى محال البصرة القديمة نسبة إلى حدان حي من العرب .