حسن الأمين
75
مستدركات أعيان الشيعة
وخذلكم إياه عار ، وأنتم حي مضماركم ( 1 ) الصبر وعاقبتكم الوفاء ، فان سار القوم بصاحبهم فسيروا بصاحبكم ، وإن استمدوا معاوية فاستمدوا عليا ، وإن وادعوكم فوادعوهم . ثم قام صبرة بن شيمان فقال : يا معشر الأزد إنا قلنا يوم الجمل : نمنع مصرنا ، ونطيع أمنا ، وننصر خليفتنا المظلوم ، فانعمنا القتال وأقمنا بعد انهزام الناس حتى قتل منا من لا خير فينا بعده ، وهذا زياد جاركم اليوم والجار مضمون ، ولسنا نخاف من علي ( ع ) ما نخاف من معاوية ، فهبوا لنا أنفسكم ، وامنعوا جاركم ، أو فأبلغوه مأمنه ، فقالت الأزد : إنما نحن لكم تبع فأجيروه ، فضحك زياد ، وقال : يا صبرة أتخشون ألا تقوموا لبني تميم ؟ فقال صبرة : إن جاؤنا بالأحنف جئناهم بأبي صبرة ( 2 ) ، وإن جاؤنا بالحتات ( 3 ) جئتهم أنا ، وان كان فيهم شباب ففينا شباب كثير فقال زياد : انما كنت مازحا . فلما رأت بنو تميم أن الأزد قد قاموا دون زياد بعثت إليهم : أخرجوا صاحبكم ونحن نخرج صاحبنا فأي الأميرين غلب ، علي أو معاوية دخلنا في طاعته ولم نهلك عامتنا ، فبعث إليهم أبو صبرة : إنما كان هذا يرجى عندنا قبل أن نجيره ، ولعمري ما قتل زياد وإخراجه إلا سواء ، وإنكم لتعلمون أنا لم نجره إلا تكرما ، فالهوا عن هذا . عن أبي الكنود ( 4 ) أن شبث بن ربعي قال لعلي ( ع ) : يا أمير المؤمنين ابعث إلى هذا الحي من تميم فادعهم إلى طاعتك ولزوم بيعتك ، ولا تسلط عليهم أزد عمان البعداء البغضاء فان واحدا من قومك خير لك من عشرة من غيرهم ، فقال له مخنف بن سليم الأزدي ( 5 ) : إن البعيد البغيض من عصى الله ، وخالف أمير المؤمنين وهم قومك ، وإن الحبيب القريب من أطاع الله ونصر أمير المؤمنين وهم قومي واحدهم لأمير المؤمنين خير من عشرة من قومك ، فقال أمير المؤمنين ( ع ) : مه ، تناهوا أيها الناس وليردعكم الإسلام ووقاره عن التباغي والتهاذي ( 6 ) ، ولتجتمع كلمتكم ، والزموا دين الله الذي لا يقبل من أحد غيره ، وكلمة الإخلاص التي هي قوام الدين ، وحجة الله على الكافرين ، واذكروا إذ كنتم قليلا مشركين متفرقين متباغضين فألف بينكم بالإسلام فكثرتم واجتمعتم وتحاببتم ، فلا تفرقوا بعد إذا اجتمعتم ، ولا تباغضوا بعد أن تحاببتم ، فإذا انفصل الناس وكانت بينهم الثائرة ( 7 ) فتداعوا إلى العشائر والقبائل فاقصدوا لهامهم ( 8 ) ووجوههم بالسيوف ، حتى يفزعوا إلى الله وكتابه وسنة نبيه ، فاما تلك الحمية حين تكون في المسلمين من خطرات الشيطان ( 9 ) فانتهوا عنها - لا أبا لكم - تفلحوا وتنجحوا ثم إنه ( ع ) دعا أعين بن ضبيعة المجاشعي ( 10 ) فقال : يا أعين ما بلغك أن قومك وثبوا على عاملي مع ابن الحضرمي بالبصرة يدعون إلى فراقي وشقاقي ويساعدون الضلال الفاسقين علي ؟ ! فقال : لا تستأ يا أمير المؤمنين ولا يكن ما تكره ، ابعثني إليهم فانا لك زعيم ( 11 ) بطاعتهم وتفريق جماعتهم ونفي ابن الحضرمي من البصرة أو قتله ، قال : فأخرج الساعة ، فخرج من عنده ومضى حتى قدم البصرة ، ثم دخل على زياد وهو بالأزد مقيم فرحب به وأجلسه إلى جانبه فأخبره بما قال له علي ( ع ) وبما رد عليه ، وما الذي عليه رأيه قال : فوالله إنه ليكلمه وإذا بكتاب من أمير المؤمنين ( ع ) إلى زياد فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله علي بن أبي طالب أمير المؤمنين إلى زياد بن عبيد : سلام عليك ، أما بعد ، فاني قد بعثت أعين بن ضبيعة ليفرق قومه عن ابن الحضرمي ، فارقب ما يكون منه ، فان فعل وبلغ من ذلك ما يظن به وكان في ذلك تفريق تلك الأوباش ( 12 ) فهو ما تحب ، وإن ترامت الأمور ( 13 ) بالقوم إلى الشقاق والعصيان فانهض بمن أطاعك إلى من عصاك ، فجاهدهم فان ظفرت فهو ما ظننت ، وإلا فطاوعهم ، وما طلهم ثم تسمع بهم وأبصر ( 14 ) فكان كتائب المسلمين قد أظلت عليك فقتل الله المفسدين الظالمين ، ونصر المؤمنين المحقين ، والسلام . فلما قرأه زياد ، أقرأه أعين بن ضبيعة ، فقال له أعين : إني لأرجوه أن تكفى هذا الأمر إن شاء الله ، ثم خرج من عنده فاتى رحله فجمع إليه رجالا من قومه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : يا قوم على م تقتلون أنفسكم وتهريقون دماءكم على الباطل مع السفهاء الأشرار ؟ ! وأني والله ما جئتكم حتى عبيت إليكم الجنود ، فان تنيبوا إلى الحق يقبل منكم ، ويكف عنكم ، وإن أبيتم فهو والله استئصالكم وبواركم . فقالوا : بل نسمع ونطيع ، فقال : انهضوا الآن على بركة الله ، فنهض بهم إلى جماعة ابن الحضرمي ، فخرجوا إليه مع ابن الحضرمي فصافوه ( 15 ) وواقفهم عامة يومه يناشدهم الله ويقول : يا قوم لا تنكثوا بيعتكم ولا تخالفوا إمامكم ، ولا تجعلوا على أنفسكم سبيلا ، فقد رأيتم وجربتم كيف صنع الله بكم عند نكثكم بيعتكم وخلافكم فكفوا عنه ولم يكن بينه وبينهم قتال وهم في ذلك يشتمونه وينالون منه ، فانصرف عنهم وهو منهم منتصف
--> ( 1 ) المضمار - هنا - : الغاية في السباق . ( 2 ) يقصد أباه . ( 3 ) الحتات - بالضم - ابن زيد بن علقمة التميمي صحابي قال في الإصابة في حرف الحاء المهملة ق 1 : » ذكره ابن إسحاق وابن الكلبي وابن هشام فيمن وفد من بني تميم على النبي ( ص ) . ( 4 ) يمكن أن يكون أبا الكنود الوائلي الذي عده الشيخ في رجاله في باب الكنى من أصحاب أمير المؤمنين ( ع ) وسيأتي أبو الكنود الأزدي ولعله هو المراد هنا . ( 5 ) مخنف - بكسر الميم وفتح النون - ابن سليم بن الحارث الأزدي الغامدي صحابي نزل الكوفة ، وكان نقيب الأزد بالكوفة ، واستعمله علي ( ع ) على مدينة أصفهان وشهد معه صفين ، وكانت معه راية الأزد ، واستشهد بعين الوردة سنة 65 مع التوابين ، وهو جد أبي مخنف لوط بن يحيى بن سعيد بن مخنف بن سليم صاحب الأخبار والسير المشهور ( انظر أسد الغابة 3 / 339 ) . ( 6 ) التباغي : ظلم بعضهم بعضا ، والتهاذي : التكلم بغير المعقول لمرض ونحوه . ( 7 ) الثائرة : الضجة والشغب ، وفي ش « النائرة » وهي هيجان الشر . ( 8 ) الهام - جمع هامة - : رأس كل شيء . ( 9 ) الحمية : الأنفة والنخوة أي إذا كانت لغير الحق تكون من خطرات الشيطان . ( 10 ) المضمار - هنا - : الغاية في السباق . ( 11 ) الزعيم : الكفيل . ( 12 ) الأوباش : سفلة الناس وأخلاطهم . ( 13 ) ترامت - هنا - : بلغت . ( 14 ) أي ستسمع وتبصر ما ذا يكون . ( 15 ) صافوه وقفوا أمامه صفا صفا ، وواقفهم وقف أمامهم .