حسن الأمين
258
مستدركات أعيان الشيعة
الوحشية والفظائع على أن أخطر ما أنتجته سياسة دولة ( القومية العربية ) في اثارتها النزاع بين قبائل العرب إلى حد الحروب الدامية ، هو ان هذه الحروب فاقت بشراستها وفظائعها حروب القبائل في الجاهلية بل أدت هذه الحروب إلى ما يصم التاريخ العربي بوصمة العار . فقد كانت الحروب القبلية في الجاهلية انما يثيرها الفقر وطلب المغانم ، لذلك كان الظافرون فيها يحرصون على استبقاء الأسرى لمفاداتهم بالمال . اما في حروب دولة ( القومية العربية ) فقد عادت الحروب القبلية حروب افناء وإبادة لا حروب حصول على الأسرى ، وارتكب فيها من الفظائع ما يخجل الإنسانية كلها لا العرب وحدهم ، ففضلا عن قتل الأسرى وما فيه من شناعة وعار ، فقد جاءت هذه الحروب بما لم يعرفه العرب في تاريخهم من وحشية وفظاعة ، لقد كانت حروب القبائل الجاهلية تتسم دائما بطابع من المروءة العربية الأصيلة التي كانت هي ميزة العربي الأولى لا سيما مع النساء . اما الحروب القبلية التي اثارتها دولة ( القومية العربية ) فقد كان بعض أفعالها بقر بطون النساء الحوامل . ففي وقعة ( ماكسين ) وحدها بقرت قبيلة قيس بطون ألفين من بطون نساء تغلب ( 1 ) وافتخر بذلك شاعرهم نفيع بن صفار المحاربي فقال : بقرنا منهم ألفي بقير فلم نترك لحاملة جنينا وفي معركة الثرثار ( 2 ) الأولى بين جموع بني سليم وجموع ربيعة التي انهزم فيها بنو سليم ، بقرت ربيعة بطون ثلاثين امرأة من بني سليم . ولما التقت تغلب وقيس يوم الكحيل وانهزمت تغلب وراحت فلولها تحاول عبور دجلة ، غرق القيسيون من التغلبيين بشرا عظيما في النهر وقتلوا من وقع في أيديهم أسيرا وبقروا بطون نسائهم ، وفي معارك ابن خازم مع ربيعة في خراسان التي مرت الإشارة إليها وانتصر فيها ابن خازم ، ظل ابن خازم يقتل كل من وقع في يده من الأسرى حتى غابت الشمس . والظاهرة الملفتة للنظر انه في المدن المتأثرة بسياسة دولة ( القومية العربية ) كانت الفتن تعظم وتشتد وتمتد ففي البصرة مثلا حيث كان التجمع القبلي الكبير : مضر وربيعة والأزد كانت الفتن بين القبائل متواصلة لا تهدأ ولا تستقر ، في حين ان الكوفة غير المتأثرة بسياسة دولة ( القومية العربية ) ، كانت قبائلها على كثرتها وتنوع أصولها متماسكة فلم يظهر فيها نزعات قبلية ذات شان كالتي شهدتها البصرة . والعجيب في أمر هذه القبائل المتنازعة المتقاتلة انها في أعماق نفوسها كانت تحس ان الدولة هي التي تؤرث البغضاء بينها فتدفعها إلى الاحتراب والتعادي . وبدافع من هذا الإحساس رأينا هذه القبائل عندما كانت تلوح لها أول فرصة للثورة على هذه الدولة تنسى كل ما كان بينها من اشتجار وتهاجي واقتتال ، وتهب كلها يمنيها ومضريها وربيعيها وتجتمع على الثورة على دولة ( القومية العربية ) كما حدث في الثورة على ممثل السلطة الحجاج بن يوسف التي فرضت الظروف ان يقودها عبد الرحمن بن الأشعث سنة 81 . فسمعنا شاعر تلك الثورة أعشى همدان ينطق باسم العرب جميعا ، باسم القبائل الثائرة كلها معددا لها قبيلة قبيلة قائلا : سار بجمع كالدبى من قحطان ومن معد قد أتى ابن عدنان بجحفل شديد الارنان فقل لحجاج ولي الشيطان يثبت لجمعي مذحج وهمدان والحي من بكر وقيس عيلان وكذلك في ثورة الحارث بن سريج في خراسان سنة 116 حيث اجتمعت تحت قيادته مضر واليمن والأزد وتميم وهي القبائل المتنافرة المتنازعة ، ولم يكن أعجب من أن تمشي اليمن وراء زعيم مضري . السياسة التطبيقية وكانت السياسة التطبيقية بتاريث العداوة بين القبائل هي خطة الحكم فعبد الملك بن مروان مثلا بعد ان قرب اليمانية وأغدق عليهم ما أغدق ، فاثار العداء بينهم وبين القيسية وتحققت أهدافه ، عاد يقرب القيسية ويحلهم محل اليمانية لتزداد الأحقاد ويتاصل النزاع . ومثل هذا فعل من تقدموه ومن تأخروا عنه . فمنهج الحكم قبلي بحت لا عربي قومي ، فلا يقدم العربي لأنه عربي ، بل تقدم القبيلة كلها أو تجفى كلها ليظل الصراع مشتعلا بين القبائل . وهكذا تقسمت الأمة العربية من جديد إلى قبائل متنازعة متخاصمة ، بعد ان صهرها الحكم العربي الصحيح حكم محمد بن عبد الله ص في وحدة متراصة متكاتفة تبرز العربي عربيا لا يعلن انتماءه الا للعرب ، لا إلى قبيلة من القبائل ، إلى العرب الذين عول عليهم محمد ص في حمل رسالته العالمية إلى الكون كله . وكان أعظم أدوات الحكم ( العربي ) الذي يباهي به الكاتب لتمزيق الصف العربي هم الشعراء الذين كان يغريهم الحكام بالعودة إلى التفاخر بالقبيلة لعلمهم بأثر الشعر في ذلك . وكان الرسول العربي يعرف ما يفعله شعر الشعراء في اضرام التعادي القبلي لذلك قال في بعض ما قاله : ( من قال في الإسلام هجاء مقذعا فلسانه هد ) . وعماد الهجاء المقذع تفضيل الشاعر احدى القبائل على القبيلة المهجوة . وهكذا انفصمت عروة القومية العربية ، وعاد ( قوم ) الفرد لا أمته ، بل قبيلته فسمعنا مثلا الفرزدق يقول : تميم هم ( قومي ) فلا تعدلنهم بحي إذا اعتز الأمور كبيرها وسمعنا عبد الله بن خليفة الطائي يقول : فلا يبعدن ( قومي ) وان كنت غائبا وكنت المضاع فيهم والمكفرا وسمعنا الفرزدق يكرر القول : انا الضامن الراعي عليهم وانما يدافع عن أحسابهم انا أو مثلي إذا ما رضوا مني إذا كنت ضامنا باحساب ( قومي ) في الجبال وفي السهل وسمعنا جريرا يقول ، وهو وان لم يذكر كلمة ( قومي ) ، فيكفي انه يعلن ان ( الأعداء ) في نظره هم أعداء قبيلته لا أعداء العرب : ألم أك نارا يصطليها ( عدوكم ) وحرزا لما ألجأتم من ورائيا كما أعلن الفرزدق بان الأحساب التي يدافع عنها هي أحساب القبيلة لا أحساب العرب . وإذا كان جرير لم يذكر في البيت المتقدم كلمة ( قومي ) فقد ذكرها في بيت آخر هو :
--> ( 1 ) أنساب الأشراف والأغاني وماكسين أو ماكس من قرى الخابور قرب رأس العين . ( 2 ) الثرثار : نهر ينزع من هرماس نصيبين ويفرغ في دجلة بين الكحيل ورأس العين .