حسن الأمين
259
مستدركات أعيان الشيعة
واني لمن ( قوم ) بهم تتقي العدي ورأب الثاى والجانب المتخوف وهكذا استحالت الرابطة بين العرب من الرابطة القومية التي تعني ( بالقوم ) العرب جميعهم ، إلى الرابطة القبلية التي تعني ( بالقوم ) القبيلة . وكثر ذلك في الشعر العربي . فقال الطرماح : لم يفتنا بالوتر ( قوم ) وللضيم رجال يرضون بالإغماض وقال أيضا مفتخرا بمحاماة مذحج والأزد عن أهل العراق ومشاركتهم في قتل قتيبة بن مسلم : ( قوم ) هم قتلوا قتيبة عنوة والخيل جانحة عليها العثير بالمرج مرج الصين حيث تبينت مضر العراق من الأعز الأكبر وقال عبد الله بن عمر العبلي : أولئك ( قومي ) تداعت بهم نوائب من زمن متعس وقال عبد الله بن قيس الرقيات : حبذا العيش حين ( قومي ) جميع لم تفرق أمورها الأهواء وهكذا نسي العرب انهم عرب تربطهم أمة واحدة . الهوان وقد أدى تحريش السلطة بين القبائل إلى أن يستهين العرب بعروبتهم وان يلجاوا إلى الأمم الأخرى ليفاخروا بانتسابهم إليها ، فلما فاخرت القحطانية بملوكها القدامى وبما كان لهم من سلطان على القبائل المعدية ، ادعت العدنانية ان الفرس الذين دانت لهم بلاد اليمن قديما يرجعون في نسبهم إلى جدهم الذي ينتمون اليه إذ هم من ولد إسحاق بن إبراهيم . فقال إسحاق بن سويد العدوي : إذا افتخرت قحطان يوما بسؤدد اتى فخرنا أعلى عليها واسودا ملكنا هم بدأ بإسحاق عمنا وكانوا لنا عونا على الدهر اعبدا ويجمعنا والغر أبناء فارس أب لا نبالي بعده من تفردا وهكذا عاد العرب في ظل دولة ( القومية العربية ) يفاخرون بان العرب كانوا عبيدا لغيرهم ، ويتباهون لا بالعروبة وأنسابها ، بل بصلة النسب التي زعموا بأنها تربطهم بالفرس ( الغر ) . والدولة مرتاحة لذلك ما دام فيه شاغل للشعب عن التفكير في تدبر أموره ، وما دامت هي المسبب لكل ذلك . وقد بلغ الهوان العربي أقصاه ، إذ تعدى الأمر الافتخار بالفرس ( الغر ) إلى التفاخر باليهود ( الغر ) . في طل دولة ( القومية العربية ) فسمعنا جريرا يقول : أبونا أبو إسحاق يجمع بيننا أب كان مهديا نبيا مطهرا ومنا سليمان النبي الذي دعا فاعطي بنيانا وملكا مسخرا وموسى وعيسى والذي خر ساجدا فأنبت زرعا دمع عينيه اخضرا ويعقوب منا زاده الله حكمة وكان ابن يعقوب أمينا مصورا فيجمعنا و ( الغر ) أبناء سارة أب لا نبالي بعده من تعذرا ثم عاد الأمر مهزلة من المهازل كانت تضحك لها الدولة بملء أشداقها ، ان العدنانية أرادوا ان يزيدوا إلى فخارهم بالفرس فخارا بأمم أخرى فجمعوا إلى ارتباط نسبهم بالفرس ارتباطه بالأكراد والهنود والبربر والديلم . ( 1 ) ولما رأى القحطانية ذلك جاروهم في التنصل من النسب العربي فادعوا اتصال نسبهم باليونان ، واختصوا اليونان ، لأن العدنانية انتسبوا إلى الفرس أعداء اليونان ، فزعموا أن يونان بن عابر هو أخو قحطان بن عابر . ( 2 ) ولا دعاء النزارية قرابتهم بالديلم ادعى القحطانية قرابتهم بالترك . ( 3 ) وقد أدى هذا الحال إلى أن يصبح العرب في ظل دولة ( القومية العربية ) مهزأة الأمم ومضحكتها فقال أحد شعراء الأعاجم يخاطب العرب ساخرا منهم : زعمتم بان الهند أولاد خندف وبينكم قربى وبين البرابر وديلم من نسل بن ضبة باسل وبرجان من أولاد عمرو بن عامر فقد صار كل الناس أولاد واحد وصاروا سواء في أصول العناصر ( 4 ) لمن السيادة يقول الكاتب فيما يقول : ( حيث العرب من كل قبيلة وفخذ ودين هم السادة وغير العرب ولو هم مسلمون من الموالي ) . ونقول له : كلا لم يكن الأمر كذلك فالسيادة والسلطة والحكم لفئة نفعية تحسن استعباد الناس وسفك دمائهم ونهب أموالهم ، اما بقية العرب فللهوان والذل والقتل والنهب ولا تشفع لهم عروبتهم ولا نسبهم العدناني أو القحطاني العريق . ونعرض له واحدا ممن كانت لهم السيادة . فقد كان سمرة بن جندب واليا على البصرة بالوكالة ، فلما جاء الوالي الأصيل كان سمرة قد قتل في غيابه ثمانية آلاف رجل ، وكان لا بد له من أن يقدم ( تقريرا ) شفهيا للوالي الأصيل فذكر له فيما ذكر انه قتل في هذه المدة القصيرة ثمانية آلاف رجل ، فكان كل ما علق به الأصيل - وهو زياد بن سمية - ان سأله هل تخاف أن تكون قد قتلت أحدا بريئا ؟ فأجاب سمرة : لو قتلت إليهم مثلهم ما خشيت . . . وانتهى التحقيق واقفل المحضر بهذا الجواب الموجز . ثمانية آلاف عربي يقتلهم هذا الوالي الذي كانت له ( السيادة ) في دولة ( القومية العربية ) ، يقتلهم بكلمة واحدة يقولها . . . فأين ( سيادة ) هؤلاء الآلاف الثمانية الذين هم من ( كل قبيلة وفخذ ) على حد تعبير الكاتب ؟ . . . وإذا كان هذا ما فعله وال واحد كان واليا ( بالوكالة ) لمدة قصيرة فلك ان تقدر ما فعله الولاة الاصلاء في المدد الطويلة وهذا الوالي بالوكالة خرج يوما من بيته إلى ( مكتبة ) بموكبه الرهيب ، فلما كان عند دور بني أسد خرج رجل من بعض أزقتهم ففجا أوائل الخيل فحمل عليه رجل من القوم فاوجره الحربة ثم مضت الخيل ، فاتى عليه سمرة بن جندب وهو متشحط بدمه ، فقال ما هذا ؟ قيل : أصابته أوائل خيل الأمير ، قال : إذا سمعتم بنا قد ركبنا فاتقوا أسنتنا . . . العرب سكان البصرة ( من كل قبيلة وفخذ ) وفيهم بنو أسد : عليهم إذا
--> ( 1 ) العقد الفريد 3 / 407 . ( 2 ) التنبيه والاشراف ص 100 . ( 3 ) مروج الذهب . ( 4 ) العقد الفريد 3 / 407 .