محمد الريشهري
190
موسوعة العقائد الإسلامية
وكَم فَدفَد ( 1 ) حالَت قُصوراً وجِناناً بِانتِقالِ النَّاسِ إِلَيها وحُلولِهِم فيها ، ولَولا سَعَةُ الأَرضِ وفُسحَتُها لَكانَ النَّاسُ كَمَن هُوَ في حِصار ضَيِّق لا يَجِدُ مَندوحَةً عَن وَطَنِهِ إِذا حَزَبَهُ أَمرٌ يَضطَرُّهُ إِلَى الاِنتِقالِ عَنهُ . ثُمَّ فَكِّر في خَلقِ هذِهِ الأَرضِ - عَلى ما هِيَ عَلَيهِ - حينَ خُلِقَت راتِبَةً راكِنَةً ، فَتَكونَ مَوطِناً مُستَقَرّاً لِلأَشياءِ ، فَيَتَمَكَّنُ النَّاسُ مِنَ السَّعيِ عَلَيها في مَاربِهِم ، وَالجُلوسِ عَلَيها لِراحَتِهِم ، وَالنَّومِ لِهَدئِهِم ، وَالإِتقانِ لأَِعمالِهِم ؛ فَإِنّها لَو كانَت رَجراجَةً مُتَكَفِّئَةً لَم يَكونوا يَستَطيعونَ أن يُتقِنُوا البِناءَ وَالتِّجارَةَ وَالصَّناعَةَ وما أَشبَه ذلِكَ ، بَل كانوا لا يَتَهَنَّؤونَ بِالعَيشِ وَالأَرضُ تَرتَجُّ مِن تَحتِهِم . وَاعتَبِر ذلِكَ بِما يُصيبُ النَّاسَ حينَ الزَّلازِلِ عَلى قِلَّةِ مَكثِها حَتّى يَصيروا إِلى تَركِ مَنازِلِهم وَالهَرَبِ عَنها . . . ثُمَّ إِنَّ الأَرضَ في طِباعِها الَّذي طَبَعَهَا اللهُ عَلَيهِ بَارِدَةٌ يابِسَةٌ وكَذلِكَ الحِجارَةُ ، وإِنَّمَا الفَرقُ بَينَها وبَينَ الحِجارَةِ فَضلُ يُبس فِي الحِجارَةِ ، أفَرَأَيتَ لَو أنَّ اليُبسَ أَفرَطَ عَلَى الأَرضِ قَليلا حَتّى تَكونَ حَجَراً صَلداً أكانَت تُنبِتُ هذَا النَّباتَ الّذي بِهِ حَياةُ الحَيَوانِ ؟ وكانَ يُمكِنُ بِها حَرثٌ أو بِناءٌ ؟ أفَلا تَرى كَيفَ تَنصب ( 2 ) مِن يُبسِ الحِجارَةِ وجُعِلَت عَلى ما هِيَ عَلَيهِ مِنَ اللّينِ وَالرَّخاوَةِ ولِتُهَيَّأَ لِلاِعتِمادِ ؟ ومِن تَدبيرِ الحَكيمِ - جَلَّ وعَلا - في خِلقَةِ الأَرضِ أنَّ مَهَبَّ الشِّمالِ أَرفَعُ مِن مَهَبِّ الجَنوبِ ، فَلِمَ جَعَلَ اللهُ عزّ وجلّ كَذلِكَ إِلاّ لِيَنحَدِرَ المِياهُ عَلى وَجهِ
--> 1 . الفَدفَد : الفلاة التي لا شيء بها وقيل : هي الأرض الغليظة ذات الحصى . وقيل : المكان الصلب ( لسان العرب : 3 / 675 ) . 2 . في نسخة : " نقصت " ( هامش المصدر ) .