محمد الريشهري

136

موسوعة العقائد الإسلامية

ألَستَ أَيُّهَا الإِنسانُ العَظيمُ عِندَ نفَسِهِ في بُنيانِهِ ، القَوِيُّ لَدى هِمَّتِهِ في أَركانِهِ ، مَخلوقاً مِنَ النُّطفَةِ المَذِرةِ ، ومُخرَجاً مِنَ الأَماكِنِ القَذِرَةِ ، تَنحَطُّ مِن أَصلابِ الآباءِ كَالنُّخاعَةِ إِلى أَرحامِ النِّساءِ ، ثُمَّ يَأتيكَ أَمري فَتَصيرُ عَلَقَةً ، لَو رَأَتكَ العُيونُ لاَستَقذَرَتكَ ، ولَو تَأَمَّلَتكَ النُّفوسُ لَعافَتكَ ، ثُمَّ تَصيرُ بِقُدرَتي مُضغَةً لا حَسَنَةً فِي المَنظَرِ ، ولا نافِعَةً فِي المَخبَرِ ، ثُمَّ أَبعَثُ إِلَيكَ أَمراً مِن أَمري ، فَتُخلَقُ عُضواً عُضواً ، وتُقَدَّرُ مَفصِلا مَفصِلا ، مِن عِظام مَغشِيَّة ، وعُروق مُلتَوِيَة ، وأَعصاب مُتَناسِبَة ، ورِباطات ماسكَة ، ثُمَّ يَكسوكَ لَحماً ، ويُلبِسُكَ جِلداً ، تُجامَعُ مِن أَشياءَ مُتَباينَة ، وتُخلَقُ مِن أَصناف مُختَلِفَة ، فَتَصيرُ بِقُدرَتي خَلقاً سَوِيّاً لا روحَ فيكَ تُحَرِّكُكَ ، ولا قُوَّةَ لَكَ تُقِلُّكَ . . . فَأَنفَخُ فيكَ الرّوحَ ، وأَهَبُ لَكَ الحَياةَ ، فَتَصيرُ بِإِذني إِنساناً ، لا تَملِكُ نَفعاً ولا ضَرّاً ، ولا تَفعَلُ خَيراً ولا شَرّاً ، مَكانُكَ مِن أُمِّكَ تَحتَ السُّرَّةِ ، كَأنَّكَ مَصرورٌ في صُرَّة ، إِلى أن يَلحَقَكَ ما سَبَقَ مِنّي مِنَ القَضاءِ ، فَتَصيرَ مِن هُناكَ إِلى وَسعِ الفَضاءِ ، فَتَلقى ما قَدَّرَكَ مِنَ السَّعادَةِ أوِ الشَّقاءِ ، إِلى أَجَل مِنَ البَقاءِ مُتَعَقِّبٌ لا شَكَّ بِالفَناءِ ، أأنتَ خَلَقتَ نَفسَكَ ، وسَوَّيتَ جِسمَكَ ، ونَفَختَ روحَكَ ؟ إِن كُنتَ فَعَلتَ ذلِكَ وأنتَ النُّطفَةُ المَهينَةُ ، والعَلَقَةُ المُستَضعَفَةُ ، وَالجَنينُ المَصرورُ في صُرَّة ، فَأَنتَ الآنَ في كَمالِ أَعضائِكَ ، وطَراءَةِ مائِكَ ، وتَمام مَفاصِلِك ، ورَيَعانِ شَبابِك ، أَقوى وأَقدَرُ ؛ فَاخلُق لِنَفسِكَ عُضواً آخَرَ ، وَاستَجلِب قُوَّةً إِلى قُوَّتِكَ ، وإِن كُنتَ أنتَ دَفَعتَ عَن نَفسِكَ في تلكَ الأَحوالِ طارِقاتِ الأَوجاعِ وَالأَعلالِ ، فَادفَع عَن نَفسِكَ الآنَ أَسقامَكَ ، ونَزِّه عَن بَدَنِك آلامَكَ ، وإِن كُنتَ أنتَ نَفَختَ الرّوحَ في بَدَنِكَ وجَلَبتَ الحَياةَ الَّتي تُمسِكُكَ ، فَادفَعِ المَوتَ إِذا حَلَّ بِكَ ، وأبقِ يَوماً واحِداً عِندَ حُضورِ أَجَلِكَ .