محمد الريشهري

66

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

والشهور والأعوام والملائكة الكرام ؟ ! وكان إذا ألحّ عليّ بالوعظ زجرته وانتهرته ووثبت عليه وضربته ، فعمدت يوماً إلى شيء من الورق ( 1 ) وكانت في الخبأ ، فذهبت لآخذها وأصرفها فيما كنت عليه ، فما نعني عن أخذها فأوجعته ضرباً ولويت يده وأخذتها ومضيت ، فأومأ بيده إلى ركبتيه يروم النهوض من مكانه ذلك ، فلم يطق يحركها من شدّة الوجع والألم فأنشأ يقول : جرت رَحمٌ بيني وبين منازِل * سواءً كما يستنزل القطرَ طالبُه وربّيتُ حتى صار جَلداً شمردلا * إذا قام ساوى غاربَ الفحل غاربُه وقد كنتُ أُوتيه من الزاد في الصبى * إذا جاع منه صفوه وأطايبه فلمّا استوى في عُنفوان شبابه * وأصبح كالرمح الرُّديني خاطبه تهضَّمني مالي كذا ولوى يدي * لوى يدَه اللهُ الذي هو غالبه ثمّ حلف بالله ليقدمن إلى بيت الله الحرام فيستعدي الله عليّ . قال : فصام أسابيع وصلّى ركعات ودعا ، وخرج متوجّهاً على عيرانة ( 2 ) يقطع بالسير عرض الفلاة ويطوي الأودية ويعلو الجبال حتى قدم مكّة يوم الحجّ الأكبر ، فنزل عن راحلته وأقبل إلى بيت الله الحرام ، فسعى وطاف به وتعلّق بأستاره وابتهل وأنشأ يقول : يا مَن إليه أتى الحُجّاج بالجُهدِ * فوق المهاوي من أقصى غاية البُعدِ إنّي أتيتك يا من لا يُخيّب مَن * يدعوه مُبتهلا بالواحد الصمدِ هذا منازلُ لا يرتاع من عَقَقي * فخُذ بحقّيَ يا جبارُ من وَلَدي حتى تشلَّ بعون منك جانبَه * يا من تقدَّس لم يُولد ولم يَلِد

--> ( 1 ) الورق : الدراهم ( لسان العرب : 10 / 375 ) . ( 2 ) العَيرانة من الإبل : الناجية في نشاط ، سمّيت لكثرة تَطْوافِها وحركتها ( تاج العروس : 7 / 282 ) .