محمد الريشهري
8
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
أنّ ما وصلنا لا يمثّل بدوره سوى شطر ضئيل أيضاً ممّا بادر إلى بيانه الإمام ، وأعلنه على الاُمّة ، ثمّ ضاع ولم يصلنا خبره أو مادّته وأثره لعوامل متعدّدة ذُكرت في مظانّها . عجيب هو علم الإمام ، يُثير التأمّل في مدياته الممتدّة الذهول والحيرى . إذا رام القلم أن يخطّ من هذا العلم حقيقة واحدة سرعان ما يتراءى أمامه بحر زخّار تتدافع أمواجه ، وتتباعد المسافة بين شُطّانه حتى تبلغ المدى الأقصى . بحر لا ينزف هو علم الإمام ، تتراكب أمواجه موج فوقه موج ، شواطئ ممتدّة على الاُفق دون نهاية ، وقعر ليس له قرار . أنّى للقلم أن يرقى إلى بيان علمه وهو " باب علم " النبيّ و " حكمته " ، وأنّى للكلمات أن تتسلّق إلى ذراه وهو " خزانة علم النبيّ " وجميع النبيّين . ثمّ كيف يقدر القلم أن يواكب علم عليّ ( عليه السلام ) ، وفي مدى هذا العلم اجتمعت جميع العلوم القرآنيّة ، والمعارف الدينيّة ، وعلم المنايا والبلايا ؛ وقد كان صاحب العلم ينظر إلى الماضي والحاضر كما ينظر إلى الذي بين يديه ، يتبدّى له كما تتبدّى الشمس في رابعة النهار ! ( عِلْمُ الْكِتَبِ ) ( 1 ) كلّه كان عند عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) بنصّ الروايات ، ولم يكن عند آصف بن برخيّا من هذا العلم إلاّ شيئاً منه ( عِندَهُ وعِلْمٌ مِّنَ الْكِتَبِ ) ( 2 ) وقد استطاع أن يُحضِر عرش بلقيس عند سليمان ( عليه السلام ) من مسافة بعيدة بأقلّ من طرفة عين . وعندئذ ينبغي التأمّل ببصيرة وفكر في هذا العلم " علم من الكتاب " مقارنة
--> ( 1 ) الرعد : 43 . ( 2 ) النمل : 40 .