محمد الريشهري

278

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

فلمّا قيل لهم في ذلك قالوا : إنّا نعرف مواضع السجود في الشعر كما تعرفون مواضع السجود في القرآن . وإني لأطيل التعجّب من رجل يخطب في الحرب بكلام يدلّ على أنّ طبعه مناسب لطباع الأُسود والنمور وأمثالهما من السباع الضارية ، ثمّ يخطب في ذلك الموقف بعينه إذا أراد الموعظة بكلام يدلّ على أنّ طبعه مشاكل لطباع الرهبان لابسي المسوح ، الذين لم يأكلوا لحماً ولم يريقوا دماءً ، فتارةً يكون في صورة بِسطام بن قيس الشيباني وعُتَيبة بن الحارث اليربوعي وعامر بن الطفيل العامري ، وتارةً يكون في صورة سقراط الحَبر اليوناني ويوحنّا المعمَدان الإسرائيلي والمسيح بن مريم الإلهي . واُقسم بمن تُقسم الاُمم كلّها به ، لقد قرأت هذه الخطبة منذ خمسين سنة وإلى الآن أكثر من ألف مرّة ، ما قرأتُها قطّ إلاّ وأحدثتْ عندي روعةً وخوفاً وعِظةً ، وأثّرت في قلبي وجيباً ( 1 ) وفي أعضائي رِعدةً ، ولا تأمّلتُها إلاّ وذكرتُ الموتى من أهلي وأقاربي وأرباب ودّي ، وخيّلت في نفسي أنّي أنا ذلك الشخص الذي وصف ( عليه السلام ) حاله . وكم قد قال الواعظون والخطباء والفصحاء في هذا المعنى ، وكم وقفت على ما قالوه وتكرّر وقوفي عليه ، فلم أجد لشيء منه مثل تأثير هذا الكلام في نفسي ، فإمّا أن يكون ذلك لعقيدتي في قائله ، أو كانت نيّة القائل صالحة ويقينه كان ثابتاً وإخلاصه كان محضاً خالصاً ، فكان تأثير قوله في النفوس أعظم ، وسريان موعظته في القلوب أبلغ ( 2 ) .

--> ( 1 ) وَجَبَ القلبُ يَجِب وَجباً ووجِيباً ووجُوباً ووَجَباناً : خَفَق واضطرَبَ ( لسان العرب : 1 / 794 ) . ( 2 ) شرح نهج البلاغة : 11 / 152 .