محمد الريشهري
193
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
ومنهم المُصلت لسيفه ، والمعلن بشرّه ، والمجلب بخيله ورجله ، قد أشرط نفسه وأوبق دينه لحطام ينتهزه أو مِقنب ( 1 ) يقوده أو منبر يَفرعه . ولبئس المَتجَر أن ترى الدنيا لنفسك ثمناً وممّا لك عند الله عوضاً ! ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا ، قد طامن من شخصه وقارب من خطوه وشمّر من ثوبه وزخرف من نفسه للأمانة ، واتّخذ ستر الله ذريعة إلى المعصية . ومنهم من أبعده عن طلب الملك ضؤولة نفسه وانقطاع سببه ، فقَصرته الحال عن حاله فتحلّى باسم القناعة وتزيّن بلباس أهل الزهادة ، وليس من ذلك في مَراح ولا مَغدًى . وبقي رجال غضّ أبصارَهم ذكرُ المرجع ، وأراق دموعَهم خوفُ المحشر ، فهم بين شريد نادٍّ ، وخائف مقموع ، وساكت مكعوم ، وداع مخلص ، وثكلان موجع ، قد أخملتهم التقيّة وشملتهم الذلّة ، فهم في بحر اُجاج ، أفواههم ضامزة ( 2 ) ، وقلوبهم قرحة ، قد وعَظوا حتى ملّوا وقُهِروا حتى ذلّوا ، وقُتِلوا حتى قلّوا . فلتكن الدنيا في أعينكم أصغر من حُثالة القَرظ ( 3 ) ، وقُراضة الجَلم ( 4 ) ، واتّعظوا بمن كان قبلكم ، قبل أن يَتّعظ بكم مَن بعدكم ، وارفُضوها ذميمة ، فإنّها قد رفضت مَن كان أشغف بها منكم ( 5 ) .
--> ( 1 ) المِقنَب بالكسر : جَماعة الخيل والفُرسان ( النهاية : 4 / 111 ) . ( 2 ) الضامِز : المُمسك ( النهاية : 3 / 100 ) . ( 3 ) القَرَظ : وَرقَ السَّلَم ( النهاية : 4 / 43 ) . ( 4 ) الجَلَم : الذي يُجَزُّ به الشَّعَر والصُّوف ( النهاية : 1 / 290 ) . ( 5 ) نهج البلاغة : الخطبة 32 ، بحار الأنوار : 78 / 4 / 54 ؛ مطالب السؤول : 32 .