محمد الريشهري

194

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

5389 - نهج البلاغة : من كلام له ( عليه السلام ) لكميل بن زياد النخعي ، قال كميل بن زياد : أخذ بيدي أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ( عليه السلام ) فأخرجني إلى الجبّان ( 1 ) ، فلما أصحر تنفس الصعداء ثمّ قال : يا كميل بن زياد ، إنّ هذه القلوب أوعية فخيرُها أوعاها ، فاحفظ عنّي ما أقول لك : الناس ثلاثة : فعالم ربّانيّ ، ومُتعلِّم على سبيل نجاة ، وهمج رَعاع أتباع كلّ ناعق ، يميلون مع كلّ ريح ، لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يلجَؤوا إلى ركن وثيق . يا كميلُ ، العلم خير من المال ، العلم يحرسك وأنت تحرس المال ، والمال تنقصه النفقة ، والعلم يزكو على الإنفاق ، وصنيع المال يزول بزواله . يا كميل بن زياد ، معرفة العلم دِين يُدان به ، به يكسب الإنسان الطاعة في حياته ، وجميل الأُحدوثة بعد وفاته . والعلم حاكم والمال محكوم عليه . يا كميل ، هلك خُزّان الأموال وهم أحياء ، والعلماء باقون ما بقي الدهر : أعيانهم مفقودة ، وأمثالهم في القلوب موجودة . ها ، إنّ ههنا لعلماً جمّاً - وأشار بيده إلى صدره - لو أصبتُ له حملة ! بلى أصبتُ لَقِناً ( 2 ) غير مأمون عليه ، مستعملاً آلة الدِّين للدنيا ، ومستظهراً بنعم الله على عباده ، وبحُججه على أوليائه ، أو منقاداً لِحَملة الحقّ ، لا بصيرة له في أحنائه ( 3 ) ، ينقدح الشكّ في قلبه لأوّل عارض من شُبهة . ألا لا ذا ولا ذاك ! أو منهوماً باللذّة ، سلس القياد للشهوة ، أو

--> ( 1 ) الجَبّان في الأصل : الصحراء ، وأهل الكوفة يسمّون المقابر جبّانة ، وبالكوفة محالّ تسمّى بهذا الاسم ( معجم البلدان : 2 / 99 ) . ( 2 ) أي فَهِمٌ حَسَنُ التَّلَقُّن لِمَا يَسْمَعُه ( النهاية : 4 / 266 ) . ( 3 ) الحِنْوُ : واحد الأحناء ، وهي الجَوانِب ( لسان العرب : 14 / 206 ) .