محمد الريشهري

59

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

ألزم نفسه ؛ أدباً منك ينفعك الله به ، وتنفع به أعوانك . ثمّ اعلم أنّه ليس شيء بأدعى لحسن ظنّ وال برعيته من إحسانه إليهم ، وتخفيفه المؤونات عليهم ، وقلّة استكراهه إيّاهم على ما ليس له قبلهم ، فليكن في ذلك أمر يجتمع لك به حسن ظنّك برعيّتك ؛ فإنّ حسن الظنّ يقطع عنك نصباً طويلاً ، وإنّ أحقّ من حسن ظنّك به لمن حسن بلاؤك عنده ، وأحقّ من ساء ظنّك به لمن ساء بلاؤك عنده ، " فاعرف هذه المنزلة لك وعليك لتزدك بصيرة في حسن الصنع ، واستكثار حسن البلاء عند العامّة ، مع ما يوجب الله بها لك في المعاد " . ولا تنقض سنّة صالحة عمل بها صدور هذه الأُمّة ، واجتمعت بها الأُلفة ، وصلحت عليها الرعيّة . ولا تحدثنّ سنّة تضرّ بشيء مما مضى من تلك السنن ؛ فيكون الأجر لمن سنّها ، والوزر عليك بما نقضت منها . وأكثر مدارسة العلماء ، ومثافنة ( 1 ) الحكماء ، في تثبيت ما صلح عليه أهل بلادك ، وإقامة ما استقام به الناس من قبلك ؛ " فإنّ ذلك يحقّ الحقّ ، ويدفع الباطل ، ويكتفى به دليلاً ومثالاً لأنّ السنن الصالحة هي السبيل إلى طاعة الله " . ثمّ اعلم أنّ الرعيّة طبقات ، لا يصلح بعضها إلاّ ببعض ، ولا غنى ببعضها عن بعض ؛ فمنها جنود الله ، ومنها كُتّاب العامّة والخاصّة ، ومنها قضاة العدل ، ومنها عمّال الإنصاف والرفق ، ومنها أهل الجزية والخراج من أهل الذمّة ومَسلَمة الناس ، ومنها التجّار وأهل الصناعات ، ومنها الطبقة ( 2 ) السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة ، وكلاًّ قد سمّى الله سهمه ، ووضع على حدّ فريضته في كتابه أو سنّة

--> ( 1 ) المُثافِن : المواظِب ، ويقال : ثافَنتُ فلاناً إذا حابَبته تحادِثُه وتلازِمه وتكَلّمه ( لسان العرب : 12 / 79 ) . ( 2 ) في المصدر : " طبقة " ، والصحيح ما أثبتناه كما في نهج البلاغة .