محمد الريشهري
55
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
وأمره أن يكسر من نفسه عند الشهوات ؛ فإنّ النفس أمّارة بالسوء إلاّ ما رحم ربي ، إنّ ربّي غفور رحيم . " وأن يعتمد كتاب الله عند الشبهات ؛ فإنّ فيه تبيان كلّ شيء ، وهدىً ورحمةً لقوم يؤمنون . وأن يتحرّى رضا الله ، ولا يتعرّض لسخطه ، ولا يصرّ على معصيته ، فإنّه لا ملجأ من الله إلاّ إليه " . ثمّ اعلم يا مالك أنّي وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور ، وأنّ الناس ينظرون من أُمورك في مثل ما كنت تنظر فيه من أُمور الولاة قبلك ، ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم ، وإنّما يستدلّ على الصالحين بما يُجري الله لهم على ألسن عباده ، فليكن أحبّ الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح " بالقصد فيما تجمع وما ترعى به رعيتك " ، فاملك هواك ، وشُحّ بنفسك عمّا لا يحلّ لك ؛ فإنّ الشحّ بالنفس الإنصاف منها فيما أحببت وكرهت . وأشعِر قلبك الرحمة للرعيّة ، والمحبّة لهم ، واللطف بالإحسان إليهم ، ولا تكوننّ عليهم سبُعاً ضارياً تغتنم أكلهم ؛ فإنّهم صنفان ؛ إمّا أخ لك في الدين ، وإمّا نظير لك في الخلق ، يفرط ( 1 ) منهم الزلل ، وتَعرِض لهم العِلل ، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ ، فأعطِهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحبّ أن يعطيك الله من عفوه ؛ فإنّك فوقهم ، ووالي الأمر عليك فوقك ، واللهُ فوق من ولاّك بما عرّفك من كتابه ، وبصّرك من سنن نبيه ( صلى الله عليه وآله ) . عليك بما كتبنا لك في عهدنا هذا ، لا تنصبنّ نفسك لحرب الله ؛ فإنّه لا يدَ لَك بنقمته ، ولا غنى بك عن عفوه ورحمته . فلا تندمنّ على عفو ، ولا تبجحنّ ( 2 )
--> ( 1 ) كما في نهج البلاغة ، وفي المصدر : " تفرط " . ( 2 ) البَجَح : الفَرَح ، وتبجّح به : فخر ، وفلان يتبجّح : أي يفتخر ويباهي بشيء ما ، وقد بَجِح يَبجحَ ( لسان العرب : 2 / 405 وص 406 ) .