محمد الريشهري
56
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
بعقوبة ، ولا تسرعنّ إلى بادرة ( 1 ) وجدت عنها مندوحة ( 2 ) ، ولا تقولنّ : إنّي مُؤمّر ؛ آمر فأُطاع ؛ فإنّ ذلك إدغال ( 3 ) في القلب ، ومنهكة ( 4 ) للدين ، وتقرّب من الفتن ، فتعوّذ بالله من درك الشقاء . وإذا أعجبك ما أنت فيه من سلطانك فحدثت لك به أُبّهة أو مخيلة فانظر إلى عظم ملك الله فوقك ، وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك ؛ فإن ذلك يُطامِن ( 5 ) إليك من طِماحك ( 6 ) ، ويكفّ عنك من غربك ( 7 ) ، ويَفئُ إليك ما عزب ( 8 ) من عقلك . وإيّاك ومساماته في عظمته ، أو التشبه به في جبروته ؛ فإنّ الله يُذلّ كلّ جبّار ، ويُهين كلّ مختال فخور . أنصف الله ، وأنصف الناس من نفسك ومن خاصّتك ومن أهلك ومن لك فيه هوى من رعيتك ؛ فإنّك إلاّ تفعل تظلم ، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده ، ومن خاصمه الله أدحض حجّته ، وكان لله حرباً حتى ينزع ويتوب . وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة من إقامة على ظلم ؛ فإنّ الله يسمع دعوة المظلومين ، وهو للظالمين بمرصاد ، ومن يكن كذلك فهو رهين هلاك في الدنيا
--> ( 1 ) البادِرَة : الحِدّة ، وهو ما يَبدر من حِدّةِ الرجل عند غضبه من قول أو فعل ( لسان العرب : 4 / 48 ) . ( 2 ) لي عن هذا الأمر مَندوحة : أي مُتّسعٌ ( لسان العرب : 2 / 613 ) . ( 3 ) أدغلَ في الأمر : أدخل فيه ما يُفسِده ويخالفه ( لسان العرب : 11 / 244 ) . ( 4 ) النَّهك : التنقّص ( لسان العرب : 10 / 499 ) . ( 5 ) طامَنَ ظهره : إذا حنى ظهره ( لسان العرب : 13 / 268 ) والمراد يُخفض ويسكن . ( 6 ) الطِّماح : مثل الجِماحِ ، والطَّماح : الكبرِ والفخر ( لسان العرب : 2 / 534 ) . ( 7 ) الغَرْب : الحِدّة ( لسان العرب : 1 / 641 ) . ( 8 ) أعزب عنه حلمه وعزب : ذهب ( لسان العرب : 1 / 596 ) .