محمد الريشهري

177

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

ذلك ؛ لأنّ إصلاح أمركم بالسيف ومنطق القوّة لا يكون إلاّ بالتضحية بقيمي الأخلاقيّة ، وهذا الثمن يتنافى مع فلسفة حكمي . لكن اعلموا بأنّ المستقبل يُخبئ لكم في أحشائه آتياً عظيماً ! فبسلوككم هذا إنّما توطّئون لأنفسكم نازلة قوم لا يحكمونكم إلاّ بالسيف ، ولا يتحدّثون إليكم إلاّ بمنطق القوّة ، ولا يعرفون بكم الشفقة ! لقد خاطب الإمام أولئك بقوله ( عليه السلام ) : " لا يصلح لكم يا أهل العراق إلاّ من أخزاكم وأخزاه الله ! " ( 1 ) . تحقّق نبوءة الإمام هكذا مضى عليّ ( عليه السلام ) مظلوماً من بين الناس ؛ وبتعبيره : " إن كانت الرعايا قبلي لتشكو حيف رعاتها ، وإنّني اليوم لأشكو حيف رعيّتي " ( 2 ) . لقد أوضح للأُمّة أنّ هضم الرعيّة لحقوق الوالي العادل لا يقلّ في تبعاته الخطرة على المجتمع عن عمل الوالي الظالم ، وهو يقول : " وإذا غلبت الرعيّة واليها ، أو أجحف الوالي برعيّته ، اختلفت هنالك الكلمة ، وظهرت معالم الجور ، وكثر الإدغال في الدين ، وتركت محاجّ السنن ، فعُمِل بالهوى ، وعُطِّلت الأحكام ، وكثُرت علل النفوس ، فلا يُستوحشُ لعظيم حقٍّ عُطِّل ، ولا لعظيم باطل فُعل ، فهنالك تَذلُّ الأبرار ، وتَعزُّ الأشرار ، وتعظمُ تبعات الله سبحانه عند العباد " ( 3 ) .

--> ( 1 ) ربيع الأبرار : 4 / 250 . ( 2 ) نهج البلاغة : الحكمة 261 . راجع : القسم العاشر / الخصائص السياسيّة والاجتماعيّة / المظلوميّة بعد النبيّ . ( 3 ) نهج البلاغة : الخطبة 216 .