محمد الريشهري

178

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

لم تلبث الأمّة بعد استشهاد الإمام إلاّ أربعة وثلاثين عاماً حتّى تحقّقت نبوءته فيها . ففي عهد خلافة عبد الملك بن مروان خرجت على الحكومة المركزيّة من جهة الأهواز جماعة من الخوارج يطلق عليها الأزارقة ، ولم تكن ثَمَّ منطقة يمكن أن يُبعث منها جند لمواجهة هؤلاء غير الكوفة ، لكنّ أهل الكوفة لم يذعنوا لذلك ، ولم يستجيبوا لرغبة الحكم ، ولم يعبؤوا به . بادر عبد الملك إلى عقد مجلس ضمَّ الخواصّ والمقرّبين لمعالجة المشكلة وتدبّر الحلّ ، فاستنهضهم ضمن خطاب حماسي ، قائلاً : " فمن ينتدب لهم منكم بسيف قاطع ، وسنان لامع ! " ، فخيّم الصمت على الجميع ، ولم يَنبِس أحدهم ، إلاّ الحجّاج بن يوسف - الذي كان قد انتهى لتَوّه من مهمّة في مكّة قضى فيها على حركة عبد الله بن الزبير - فنهض من مكانه وأبدى استعداده للمهمّة . بيدَ أنّ عبد الملك لم يرضَ ، وطلب منه الجلوس . وفي إطار حديثه عن كيفيّة إرسال الجند إلى الأهواز توجّه عبد الملك مجدّداً إلى القوم طالباً من الحضور أن يذكروا له أكفأ الرجال أميراً على العراق ، ومن يكون قائداً للجيش الذي سيقود المعركة مع الأزارقة ، وهو يقول : ويلكم ! مَن للعراق ؟ فصمتوا ، وقام الحجّاج ثانية ، وقال : أنا لها . الطريف في الأمر أنّ عبد الملك التفت هذه المرّة إلى الحجّاج مستوضحاً عن الوسيلة التي يلجأ إليها في دفع الناس لطاعته ، حيث سأله نصّاً : إنّ لكلّ أمير آلة وقلائد ، فما آلتك وقلائدك ؟ أوضح الحجّاج لعبد الملك أنّه سيلجأ إلى القوّة واستعمال السيف لإجبار الناس على الطاعة ، وأنّه لن يوفِّر جهداً في استغلال سياسة التهديد والترغيب