محمد الريشهري

165

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

والذي يبعث على ألم الإمام وتوجّعه أنّ أغلب من يعاصره من الناس كان من القسم الثالث . فقد كان عليٌّ يعيش وسط جمهور ليس من أهل المعرفة والتشخيص ، ولا هو ممن يتحرّى المعرفة ويتحرّك في مسار البحث والتحقيق . بيد أن الأمضّ على الإمام في ذلك كلّه أنّه ( عليه السلام ) قلّما كان يعثر على من يباثّه همومه ، ويتحدّث إليه بمثل هذه المصائب الاجتماعيّة . أجل ، لم يكن مع عليّ من يستطيع أن يُفصح له بحقيقة من يعيش معهم ، وعلامَ يمارس حكمه . وعندما أراد مرّة أن يُفصح بخبيئة نفسه لكميل بن زياد - وهو من خواصّه وممّن يطيق سماع تحليله المتوجّع للوضع القائم - تراه أخذ بيده ، وصار به إلى الصحراء ، وبالحزن الممزوج بالألم أشار إليه أنّه لا يستطيع أن يتحدّث بهذا الكلام لكلّ أحد ؛ لعدم قدرة الجميع على تحمّله ، وأنّه كلما حظي الإنسان بقاعدة فكريّة أكبر وأُفق معنوي أوسع ، كان ذا قيمة أكثر ، ثمّ بعد ذلك حدّثه بسرّ انفضاض الناس عن نهجه ، وانكفائهم عنه ، وتنكّبهم عن برنامجه الإصلاحي ، حيث ذكر له أنّ المشكلة الأساسيّة في ذلك تعود إلى جهل الناس ، واتّباعهم الأعمى للخواصّ ممن هو خائن أو جاهل . صراحة أكثر في بيان الانحراف تناول الإمام في حديث خاصّ مشكلاته مع الناس بصراحة أكثر ، ففي هذا الحديث - الذي أدلى به الإمام إلى عائلته وعدد من خواصّه - أوضح أين تكمن جذور الفتنة ، ولماذا ابتلي المجتمع الإسلامي بالفرقة والاختلاف على عهده ، ولماذا لم يستطِع تنفيذ برنامجه لإصلاح المجتمع وإعادته إلى سيرة النبي ( صلى الله عليه وآله ) وسنّته ، وأخيراً لماذا لم ينهض الجمهور لتأييد سياسته والدفاع عنها . لقد بدأ أمير المؤمنين ( عليه السلام ) كلامه - في المجلس المذكور - بالحديث النبوي