محمد الريشهري

166

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

التالي : " ألا إنّ أخوف ما أخاف عليكم خُلّتان : اتّباع الهوى ، وطول الأمل " ، ثم أوضح أنّ الفتن السياسيّة التي دفعت المجتمع الإسلامي إلى الفرقة والاختلاف ، وأدّت به إلى الانقسام والتوزّع إلى ولاءات وخطوط مختلفة ، إنّما تكمن جذورها في المفاسد الأخلاقيّة ، والأثرة ، وضروب البدع والأهواء . وفي هذا يفيد النصّ العلوي : " إنّما بدء وقوع الفتن أهواء تُتّبع ، وأحكام تُبتدع يخالف فيها حكم الله ، يتولّى فيها رجالٌ رجالاً " . وهكذا تتبدّل الأهواء والأنانيات إلى بدع ضدّ الدين ، لكنّها متلبّسة بدثار الدين . ثم تنشأ في هذا الاتّجاه البُؤر المتعصّبة ، والتجمّعات العمياء ، وتتبدّل الفتنة الأخلاقيّة إلى فتنة ثقافيّة ، ثمّ إلى فتنة سياسيّة واجتماعيّة ، حيث يسعى أصحاب الفتنة إلى تسويغ مقاصدهم من خلال استغلال نصاعة الحق . يقول ( عليه السلام ) : " ألا إنّ الحقّ لو خلص لم يكن اختلاف ، ولو أنّ الباطل خلص لم يخفَ على ذي حجى ، لكنّه يؤخذ من هذا ضغث ومن هذا ضغث " . ثمّ يواصل أمير المؤمنين استعراضه الموقف . فبعد مرور جيل تستحكم البدعة ، وترسخ مواقعها بدلاً من السنّة بحيث صار يستعصي عمليّاً معرفة السنّة مجدّداً . وفي هذا المضمار يستعين الإمام بحديث من السنّة النبويّة - حيث كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد تنبّأ بشيوع مثل هذه الأجواء وسط المجتمع الإسلامي - وهو يقول : " إنّي سمعت رسول الله يقول : كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يربو فيها الصغير ، ويهرم فيها الكبير ، يجري الناس عليها ، ويتّخذونها سنّة ، فإذا غُيِّر منها شيء قيل : قد غُيّرت السنّة " . في فضاء ثقافي مثل هذا تتعذّر الإصلاحات الجذريّة ، وتستعصي عمليّاً عمليّة العودة إلى السنّة النبويّة .