محمد الريشهري

104

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

من هلك منّا وفارقنا ، فإنّ ذلك أقوى لنا على عدوّنا . فأقبلت بكم حتى إذا أطللتم على الكوفة أمرتكم أن تنزلوا بالنُّخَيلة ( 1 ) ، وأن تلزموا معسكركم ، وأن تضمّوا قواضبكم ( 2 ) ، وأن توطّنوا على الجهاد أنفسكم ، ولا تكثروا زيارة أبنائكم ونسائكم . فإنّ أصحاب الحرب المصابروها ، وأهل التشمير فيها الذين لا ينوحون من سهر ليلهم ولا ظمأ نهارهم ولا خمص بطونهم ولا نصب أبدانهم ، فنزلت طائفة منكم معي معذّرة ، ودخلت طائفة منكم المصر عاصية ، فلا من بقي منكم ثبت وصبر ، ولا من دخل المصر عاد إليّ ورجع ، فنظرت إلى معسكري وليس فيه خمسون رجلاً ، فلمّا رأيت ما أتيتم دخلت إليكم فما قدرت على أن تخرجوا معي إلى يومنا هذا . فما تنتظرون ؟ أما ترون إلى أطرافكم قد انتقصت ، وإلى أمصاركم قد افتتحت ، وإلى شيعتي بها بعد قد قتلت ، وإلى مسالحكم ( 3 ) تعرى ، وإلى بلادكم تغزى ، وأنتم ذوو عدد كثير ، وشوكة وبأس شديد ، فما بالكم ؟ لله أنتم ! من أين تؤتون ؟ وما لكم أنّى تؤفكون ؟ ! وأنّى تسحرون ؟ ! ولو أنّكم عزمتم وأجمعتم لم تراموا ، ألا إنّ القوم قد اجتمعوا وتناشبوا وتناصحوا وأنتم قد ونيتم وتغاششتم وافترقتم ، ما أنتم إن أتممتم عندي على ذي سعداء ، فأنبهوا نائمكم واجتمعوا

--> ( 1 ) النُّخَيلَة - تصغير نخلة - : موضع قرب الكوفة على سمت الشام ، وهو الموضع الذي خرج إليه الإمام علي ( عليه السلام ) ( معجم البلدان : 5 / 278 ) . ( 2 ) القضِيب : السيف اللطيف الدقيق ، والجمع قواضب ( لسان العرب : 1 / 679 ) . ( 3 ) المَسْلَحَة : وهي كالثغر والمرقب فيه أقوام يرقبون العدوّ لئلاّ يطرقهم على غفلة ، فإذا رأوه أعلموا أصحابهم ليتأهّبوا له ، والجمع مسالح ( النهاية : 2 / 388 ) .