محمد الريشهري

277

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

" ومنهم من يطلب الدنيا بعمل الآخرة ولا يطلب الآخرة بعمل الدنيا ، قد طامَنَ من شخصه ، وقارَبَ من خَطوه ، وشمّر من ثوبه ، وزخرف من نفسه للأمانة ، واتّخذ ستر الله ذريعة إلى المعصية " ( 1 ) . ومن الصعب تمييز النماذج الماثلة لطلاّب الدنيا بخاصّة طلاّبها الذين عليهم مسحة التوجه إلى الآخرة ، فهذا اللون من التوجّه لا يظهر إلاّ عند محطّات الاختبار وفى منعطفات الحياة الوعرة ، وهناك تنجلي جوهرة الباطن ، ونِعمَ ما قاله الإمام ( عليه السلام ) في هذا المجال : " في تقلّب الأحوال علم جواهر الرجال " . ( 2 ) إن إدراك الحقيقة المستخفية وراء حجاب الرياء والتدليس أمر لا يهتدي إليه كلّ أحد ؛ فهو يتطلّب بصيرة عميقة ثاقبة كبصيرة مالك الأشتر ، حتى يتسنّى أن يُرى حبّ الدنيا كامناً وراء السجدات الطويلة والنزعات الخادعة ببريق قداستها المفتعلة . لقد كان مالك على مشارف النصر في صفّين ، وتقدّم حتى اقترب من خيمة طلاّب السلطة ، لكنّه أُكره على التقهقر تحت ضغط " القرّاء " . وحين عاد خاطبهم بحرقة وألم ، فقال لهم : " يا أصحاب الجباه السُّود ! كنّا نظنّ صلاتكم زهادةً في الدنيا ، وشوقاً إلى لقاء الله عزّ وجلّ ، فلا أرى فراركم إلاّ إلى الدنيا من الموت ، ألا قبحاً يا أشباه النِّيْب الجلاّلة " ( 3 ) .

--> ( 1 ) نهج البلاغة : الخطبة 32 ، بحار الأنوار : 78 / 5 / 54 . ( 2 ) نهج البلاغة : الحكمة 217 . ( 3 ) تاريخ الطبري : 5 / 50 ، الكامل في التاريخ : 2 / 387 ؛ وقعة صفّين : 491 .