محمد الريشهري
278
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
وهذا اللون من طلب الدنيا وضروب حبّها والركون إليها ورد أيضاً في كلام تربويّ للإمام زين العابدين وسيّد الساجدين ( عليه السلام ) يبعث على التذكير والتنبيه ، فلنقرأه معاً : " إذا رأيتم الرجل قد حَسُن سمته وهديه ، وتماوَتَ في منطقه ، وتخاضَع في حركاته ، فرويداً لا يغرّنّكم ؛ فما أكثر من يعجزه تناول الدنيا وركوب المحارم منها لضعف نيّته ، ومهانته ، وجُبن قلبه ؛ فنَصَبَ الدين فخّاً لها ، فهو لا يزال يختل الناس بظاهره ؛ فإن تمكّن من حرام اقتحمه . وإذا وجدتموه يعفّ عن المال الحرام فرويداً لا يغرّنّكم ؛ فإنّ شهوات الخلق مختلفة ؛ فما أكثر من ينبو عن المال الحرام وإن كثر ، ويحمل نفسه على شوهاء قبيحة فيأتي منها محرّماً ، فإذا وجدتموه يعفّ عن ذلك فرويداً لا يغرّكم حتى تنظروا ما عقده عقله ، فما أكثر مَنْ ترك ذلك أجمع ، ثمّ لا يرجع إلى عقل متين ، فيكون ما يفسده بجهله أكثر ممّا يصلحه بعقله ، فإذا وجدتم عقله متيناً ، فرويداً لا يغرّكم حتى تنظروا : أمَع هواه يكون على عقله ، أو يكون مع عقله على هواه ؟ وكيف محبّته للرئاسات الباطلة وزهده فيها ؟ فإنّ في الناس من خسر الدنيا والآخرة بترك الدنيا للدنيا ، ويرى أنّ لذّة الرئاسة الباطلة أفضل من لذّة الأموال والنِّعم المباحة المحلّلة ، فيترك ذلك أجمع طلباً للرئاسة الباطلة ، حتى إذا قيل له : اتّقِ الله ، أخذته العزّة بالإثم ، فحسبه جهنّم ، ولبئس المهاد ؛ فهو يخبط خبط عشواء ، يقوده أوّل باطل إلى أبعد غايات الخسارة ، ويمدّه ربّه بعد طلبه لما لا يقدر عليه في طغيانه ، فهو يُحلّ ما حرّم الله ، ويُحرّم ما أحلّ الله ، لا يُبالي ما فات من دينه إذا سلمت له رئاسته التي قد شقي من أجلها ، فأُولئك الذين غضب الله عليهم ولعنهم وأعدّ لهم عذاباً مُهيناً . ولكن الرجل كلّ الرجل نِعْمَ الرجل هو الذي جعل هواه تبعاً لأمر الله ، وقواه