محمد الريشهري

267

موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ

ملفّ الشام إلى الأبد ، وتستريح الأُمّة من هذه الفتنة العمياء السوداء ، وأمر برفع المصاحف على الرماح دلالةً على الكفّ عن القتال ، وأمارةً على تحكيم كتاب الله فيه ، فاتّخذ أُولئك القرّاء موقفهم المُشين المشهور ، وهم المعروفون بسطحيّتهم ونظرهم إلى ظاهر الأُمور لا باطنها ، ولم يروا وجه الحيلة ، فأجبروا الإمام ( عليه السلام ) على قبول التحكيم ، والإمساك عن القتال تعظيماً لحرمة القرآن بزعمهم ، وأكرهوه على ذلك بالرغم من معارضته ( عليه السلام ) ومعه الخاصّة من أصحابه ، وهدّدوه بالقتل عند الرفض ، ولم يكن له ( عليه السلام ) سبيل إلاّ الاستجابة لذلك المنطق المتعسّف الخاوي الجهول ؛ لما كان لهم من تغلغل ونفوذ في جيشه ، وقَبِل الإمام ( عليه السلام ) اقتراحهم ، فاستدعى " مالكاً " الذي كان قد تقدّم في المعركة واقترب من فسطاط معاوية . وهكذا انطلت الخديعة ، وواجهت حكومة الإمام ( عليه السلام ) مشكلة جدّية . انفصال القرّاء عن الإمام ما لبث أن أُميط اللثام ، وافتضحت خديعة معاوية ، وأدرك القرّاء السطحيّون خطأهم وانخداعهم بمكيدة رفع المصاحف ، ولكنّهم بدل أن يستفيقوا فيعيدوا الحقّ إلى نصابه ، والماء إلى مسابه نراهم كابروا بمضاعفة تطرّفهم ، وجهلهم ، وإفراطهم ، ونظرتهم الضيّقة المنغلقة ، واجترحوا سيّئةً أكبر من سابقتها ، فقالوا للإمام ( عليه السلام ) : لقد كفرنا بفعلنا هذا ، وإنّا تائبون منه ، وأنت كفرت أيضاً ؛ فعليك أن تتوب مثلنا ، وتنكث ما عاهدت عليه معاوية ، وتعود إلى مقاتلته ! ولا ريب في أنّ نكث الإمام عهدَهُ - مضافاً إلى ما فيه من مخالفة لسيرته وأُسلوبه وتعاليم دينه - يُفضي إلى تضيق هؤلاء " المتقدّسين " المتعنّتين الخناق على الإمام ( عليه السلام ) ، وتحديد نطاق حكومته إلى درجة ينفلت معها زمام الأُمور ،