محمد الريشهري
268
موسوعة الإمام علي بن أبي طالب ( ع ) في الكتاب والسنة والتاريخ
ويفقد ( عليه السلام ) القدرة على صنع قراره في الحرب والسلم ، والسياسة والإدارة ؛ وتخرج الأُمور المهمّة من يده . فلذا واجه ( عليه السلام ) هذا الطلب الجهول بكلّ قوّة ، لكنّ أُولئك القرّاء بدل أن يتأمّلوا في هشاشة موقفهم الأحمق هذا ، افترقوا - عند الرجوع من صفّين - عن أمير المؤمنين وإمام المتديّنين ؛ انطلاقاً من " التعمّق " في الدين والإفراط في السلوك المشين ، وعسكروا في " حروراء " قريباً من الكوفة . انقلاب " القرّاء " إلى " المارقين " أجَل ، تحقّقت نبوءة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؛ وإذا الذين كانوا بالأمس وجوه المسلمين البارزة ، وممّن جمعوا في حياتهم بين الجهاد والقتال ، والزهد والعبادة ، يقفون اليوم أمام الدين وإمام المسلمين بسبب إصابتهم بداء التعمّق والتطرّف ؛ متذرّعين بذريعة الدفاع عن ساحة القرآن وحريم الدين . وهكذا أخرجهم داء الإفراط والتطرّف من الدين حتى لم يبق في نفوسهم للدين من أثر . وهكذا استحقّوا عنوان " المارقين " الذي كان رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) قد وصفهم به من قبل . وممّا كان ( صلى الله عليه وآله ) قد قاله للإمام ( عليه السلام ) : " يا عليّ ! لولا أنت لما قوتل أهل النهر ، قال : فقلتُ : يا رسول الله ! ومَن أهل النهر ؟ قال : قوم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرميّة " . الإمام ومباهاته باجتثاث فتنة " التعمّق " اتّضح ممّا ذكرناه إلى الآن حول تيّار " التعمّق " والوجوه المنتمية إليه أنّ الاصطدام به كان عملاً صعباً ، وحقيقة الأمر أنّ استئصال جذور هذه الفتنة - التي كانت في ظاهرها تيّاراً وطيداً في التديّن - عملٌ في غاية الإعضال ، وكان الإمام ( عليه السلام ) يرى أنّ إبادة هذا التيّار واقتلاع جذور الفتنة من مفاخر عصر خلافته ،